مقالات > ذكرى مولد أبي الفضل العباس بالرابع من شعبان
ذكرى مولد أبي الفضل العباس بالرابع من شعبان
نشرت في: 2017/5/3 (عدد القراءات 128)

بسم الله الرحمن الرحيم 

نهنيكم ونعزيكم بذكرى ولادة نبع الوفاء والتضحية والايثار سيدنا ومولانا أبي الفضل العباس عليه السلام بالرابع من شعبان 26 هجرية .  

[{كلامكم نور وأمركم رشد }]


🔴السيدة أم البنين ورؤياها بأبي الفضل العباس وأخوته قبل القران بأمير المؤمنين عليه السلام :  

🔳 يروى أن فاطمة قالت لأمها: إني رأيت في منامي كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية، كانت السماء صافية والقمر مشرقا والنجوم ساطعة، وأنا أفكر في عظمة الله من سماء مرفوعة من غير عمد، وقمر منير وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التفكير ونحوه، وإذا بي أرى كأن القمر قد انقض من كبد السماء ودفع في حجري وهو يتلألأ نورا يغشى الأبصار، فعجبت من ذلك، وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعت أيضا في حجري وقد أغشى نورها بصري فتحيرت في أمري مما رأيت، وإذا بهاتف قد هتف بي أسمع منه الصوت ولا أرى الشخص وهو يقول: بشراك فاطمة بالسادة الغرر ثلاثة أنجم والزاهر القمر، أبوهم سيد في الخلق قاطبة بعد الرسول، كذا قد جاء في الخبر. فلما سمعت ذلك ذهلت وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه، فما تأويلها؟

فقالت لها أمها: يا بنية إن صدقت رؤياك فإنك تتزوجين برجل جليل القدر رفيع الشأن عظيم المنزلة عند الله مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد يكون أولهم وجهه كأنه القمر وثلاثة كالنجوم الزواهر».

🔴أبو الفضل ثمرة الزواج المبارك :

 أراد الإمام علي عليا السلام أن يتزوج من إمرأة تنحدر عن آباء شجعان كرام ، يضربون في عروق النجابة والإباء ، ليكون له منها بنون ذوو خصالٍ طيّبة عالية ، وهو يعلم علم المنايا والبلايا طلب أميرُ المؤمنين عليه السلام من أخيه عقيل وكان نسابة عالما بأنساب العرب و أخبارهم  أن يختار له امرأةً من ذوي البيوت والشجاعة فروي أنه قال: ( إنظر إلى إمرأة قد ولدتها الفحول من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا ) ، فأجابه عقيل قائلاً : أخي ، أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية ، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها و لا أفرس. 

ثم مضى عقيلُ إلى بيت حزام ضيفاً فأخبره أنه قادم عليه يخطب إبنتَه الحرة إلى سيد الأوصياء علي عليه السلام  . 

فلما سمع حزام ذلك هَشَّ وَبَشَّ ، وشعر بأن الشّرف ألقى كلاكله عليه ، إذ يصاهر إبنَ عمّ المصطفى صلى الله عليه واله ، ومَن ينكر علياً عليه السلام وفضائله ، وهو الذي طبق الآفاق بالمناقب الفريدة . 

فذهب حزام إلى زوجته يشاورها في شأن الخِطبة ، فعاد وهو يبشر نفسه وعقيلاً وقد غمره السرور وحفت به البشارة . 

وكان الزواج المبارك على مهرٍ سَنه رسول الله صلى الله عليه واله في زوجاته وإبنته فاطمة عليها السلام ، وهو خمسمائة درهم . 

وأول ما ولدت العبّاس عليه السلام ، و يُلّقب بـ (قمر بني هاشم) و يُكنّى أبا الفضل . و من بعد العباس ولدت عبد الله, و بعده جعفرا، وبعده عثمان، و عاش العبّاس مع أبيه أربعة عشر سنة، حضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه بالنزال، ومع أخيه الحسن عليه السلام أربعا وعشرين سنة، و مع أخيه الحسين عليه السلام أربعا وثلاثين سنة ، وذلك مدة عمره ، كان عليه السلام يّدا شجاعا وسيما جسيما يركب الفرس المطّهم و رجلاه تخطّان في الأرض ، و روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال : ( كان عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان, جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وأبلى بلاءً حسنا. 

والعبّاس هو الذي لمّا كان يوم الطّف قال شمر بن ذي الجوشن الكلابي للعبّاس و أخوتـه : أين بنو أختي ؟ فلم يجيبوه . فقال الحسين عليه السلام  لأخوته, أجيبوه و إن كان فاسقا فإنّه بعض أخوالكم . فقالوا له ما تريد ؟ قال: إخرجوا إلي فإنكم آمنون و لا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم . فقالوا له: قبحت و قبح ما جئت به، أنترك سيدنا و أخانا و نخرج إلى أمانك ؟! 

🔴أمير المؤمنين وسبب رغبته بالأقتران بأم البنين يذكر بكربلاء يوم عاشوراء : 

🔳 جاء في بعض كتب التاريخ والسير أنه قبل أن تبدأ المعركة بين الحسين عليه السلام وأصحابه، وبين جيش عمر بن سعد في كربلاء من جهة أخرى، وضمن استعداد كل جهة للقتال أو بعد ابتدائها بقليل، أتى زهير بن القين إلى عبدالله بن جعفر بن عقيل فقال له: أخي ناولني هذه الراية، فقال له عبدالله أو في قصور عن حملها؟ قال: لا، ولكن لي بها حاجة. قال: ترفعها إليه، وأخذها زهير وأتى تجاه العباس بن أمير المؤمنين، وقال: يا بن أمير المؤمنين أريد أن أحدثك بحديث وعيته فقال: حدث فقد حلا وقت الحديث، فقال له اعلم يا أبا الفضل أن أباك أمير المؤمنين عليه السلام لما أراد أن يتزوج بأمك أم البنين بعث لأخيه عقيل وحدثه عن حديث زواج أمه المشهور عند الناس من مولانا علي ، ثم قال له زهير وقد اخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك قال فارتعد العباس وتمطى في ركابه حتى قطعه وقال: يا زهير تشجعني في مثل هذا اليوم والله لأرينك شيئآ ما رأيته قط.


 من الأيام مع الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في مسجد النبي صلّى الله عليه وآله بالمدينة وهو يعظنا ويرشدنا ويحذّرنا من النار ويرغّبنا بالجنة ، إذا بأعرابي قد أقبل نحو المسجد ، فأناخ راحلته على باب المسجد ودخل متّجهاً نحونا ، حتّى إذا وصل إلينا سلّم علينا وخصّ أمير المؤمنين عليه السّلام بالتحية والسّلام ، وقبّل يده الكريمة ، ووقف بين يديه وكأنه يطلب إليه حاجة ، فقال له الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام برأفة وحنان : (( يا أخا العرب ، كأنّك جئتنا في حاجة ، فما هي حاجتك ؟ فإنّها منقضية إن شاء الله تعالى )) .

فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم بها منّي .

قال قنبر : عندها التفت إليّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وقال : (( يا قنبر ، امض إلى المنزل وقل لمولاتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله تناولك السّفط الفلاني في موضع كذا وكذا )) .

فقلت : سمعاً وطاعة ، وحبّاً وكرامة لله تعالى ولسيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين . 

قال قنبر : فقمت مسرعاً ومضيت إلى منزل أمير المؤمنين عليه السّلام ، وطرقت الباب مرّتين ، وفي الثالثة جاءت فضة وراء الباب وقالت: مَنْ الطارق ؟ أجبتها قائلاً : أنا قنبر مولى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وخادم أهل البيت عليهم السّلام .

فقالت فضة : أهلاً ومرحباً بك ، وما حاجتك يا قنبر ؟ فأخبرتها بما قال لي سيّدي ومولاي وما يريده .

فقالت فضة : مكانك حتّى آتيك به . فوقفت بالباب انتظر مجيئها ، وإذا بي أسمع جلبة الفرح وصخب السرور يعلو من داخل المنزل ، فتعجّبت ، وانتظرت حتّى إذا رجعت إليّ فضة وأتتني بالسفط سألتها عن سبب ذلك ، فقالت فضة : لقد ولد الساعة للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام غلام أزهر كأنّه فلقة قمر .

فقلتُ لها ، وقد امتلأت أنا الآخر فرحاً وسروراً : وممّن هذا المولود الأغر ؟

فقالت فضة : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، ثمّ أضافت قائلة : وقد أوصتني سيّدتي وسيّدتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله أن أقول لك : إذا رجعت إلى مولاي ومولاك الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فبشّره بولادة هذا المولود الأغر ، واسأله عن اسمه وكنيته ولقبه .

فقلت ، وأنا لا أمتلك نفسي بهجة وفرحاً : حبّاً وكرامة ، وسمعاً وطاعة ، ثمّ هنّأتها وودّعتها . وأقبلت بالسفط مع البشارة بالمولود الجديد مسرعاً إلى سيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فلمّا سلّمته السفط وقفت بين يديه لأُبشّره بما عندي من خبر الولادة ، غير أنّي بقيت أترصّد الفرصة المناسبة لإعلان هذا الخبر وتقديم هذه البشارة السّارة ، حتّى إذا فرغ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام من حاجة الأعرابي وأعطاه ذلك السفط التفت إليّ وقال مبادراً : (( ما وراءك يا قنبر ، فإنّي أرى أثر البهجة والسرور طافحاً على أسارير وجهك ؟ )) .

فقلت ، وقد رأيت الفرصة مناسبة : نعم يا سيّدي ومولاي ، لقد جئتك ببشارة .

فقال عليه السّلام : (( وما هي تلك البشارة يا قنبر ؟ بشّرك الله بالجنّة )) .

قلت : لقد وُلد لك يا سيّدي ومولاي غلام أغر .

فقال عليه السّلام (( وممّنْ هذا المولود الجديد؟ )) .

قلت : لقد سألت عن ذلك فضّة عندما أخرجت إليّ السفط ، فقالت : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، كما وأنها قالت لي : بأنّ سيّدتي السيّدة زينب عليها السّلام أوصتني أن اُبشّرك بهذا المولود عندما أرجع إليك وأن أسألك عن اسمه وكنيته ولقبه .

فلمّا سمع الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك تهلّل وجهه فرحاً وسروراً وشكرني على هذه البشارة ، وقال : (( يا قنبر ، إنّ لهذا المولود شأناً كبيراً عند الله ومنزلة عظيمة لديه ، وأسماؤه وكناه وألقابه كثيرة ، وسأمضي أنا بنفسي إلى المنزل لإنجاز ما سنّه لنا رسول الله صلّى الله عليه وآله للمولود عند الولادة , وبعدها من سنن الإسلام ، فهيّا بنا إلى ذلك يا قنبر )) .

🔴أبو الفضل وسنن ولادته وبكاء أمير المؤمنين بمحضر أم البنين عليهما السلام : 

ثمّ إنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قام من مجلسه ذلك وودّع أصحابه ومَنْ كان معه ، ثمّ خرج من مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله متّجهاً نحو البيت ، فلمّا دخل المنزل سلّم ـ على عادته ولاستحبابه ـ على مَنْ كان في المنزل من أهله واُسرته الذين كانوا بانتظار قدومه ، وحيّاهم بتحيّة الإسلام ثمّ قال : (( ائتوني بولدي )) .

فقوبل عليه السّلام بالتحية والبشارة ، ثمّ جيء بولده إليه ملفوفاً في خرقة بيضاء ومقمّطاً بها ، فأخذه وضمّه إلى صدره ، ونثر قبلاته الحارّة على وجهه وخدّيه ، ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وبعدها أخذ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يطيل النظر إليه .

وهنا تمطّى المولود الجديد لاُمّ البنين في قماطه حتّى قطعه ، وأخرج كلتا يديه من القماط ؛ ممّا أثار بذلك ذكريات الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام التي كانت في ذاكرته ممّا نزل بها جبرائيل في حقّ هذا الوليد الجديد من عند الله تبارك وتعالى على رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأخبره بها رسول الله صلّى الله عليه وآله من كيفية شهادته في نصرة الإمام الحسين عليه السّلام في طفّ كربلاء .

عندها اغرورقت عينا الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بالدموع ، وتناثرت قطرات الدمع على خدّيه كالدرر ورطّبت كريمته الشريفة ، فنظرت إليه إحدى النسوة وقالت : ما يبكيك يا أبا الحسن ونحن في هذه الساعة من فرح وسرور ، وابتهاج وحبور ؟!

فالتفت إليها أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يكفكف دموعه بيديه الكريمتين وقال لها ما مضمونه : (( لا تلوموني ، فإنّي لمّا نظرت إلى هاتين اليدين وتمطّيه في القماط تذكّرت تمطّيه على جواده في كربلاء ، وانفصال يديه عن جسمه يوم عاشوراء )) . ثمّ أخذ يبكي ويكثر من قوله عليه السّلام : (( ما لي وليزيد ؟ )) .


🔴من أجمل وأروع القصائد في ولادة أبي الفضل للمرحوم الملا محمد الناصري رحمه الله التي بكل سنة أكرر قراءتها تبدأ بالمدح والولادة وتنتهي بمصاب الحسين بفقده . 

نور تألق في السماء محلقا
ضاهى شعاع الشمس حين تألقا

وكسى الوجود بهالةٍ في ضوئه 
في الكون سار مغرباً ومشرقا

غمر الدنى بالبشر وابتسم الثرى
وافتر ثغر الروض في وادي النقا 

وازدان وجه الأفق من لألائه
عم الجزيرة والعراق وجلقا

والفجر طأطأ هامه متذللاً 
مستحقراً لضيائه عند اللقا 

وتساءل البدر المنير بدهشة
عن ذلك النور البهي محققا

ما بالزهذا الكون أشرق بالسنا
ولديه لألأئي اكفهر وأخفقا 

فيخال لي أن الجواب أتى له 
قمر الغطارفة بالنور حين تألقا

فعليه من نور الإمامة مسحةٌ
حقاً ومن أصل الكرام تعرقا

صدقت به رؤيا رأتها أمه 
قبل القران بمن به عرف التقى 

قمرا ينقض من كبد السما
يهوي بأحضان الصحانة مشرقا 

تقفوه من أبهى النجوم ثلاثة
يغدو الزمان لحسنهم متشوقا

فلتهن فاطمة المحاسن بابنها 
شرفت به والمجد فيه قد التقى 

مجد الأبوة والأبوة منهما
أخذ الفخار وبالجمال تفوقا

فلتهنئي يا أم البنين علاك من
نعم الكمال عليك ربك أغدقا

البعل من جاء الكتاب بمدحهز
ولديه حوض المصطفى يوم اللقا

والشبل عباس التقي ومن له 
يوم به للحشر يفخر بالسقا 

وليهن والده الهزبر بمولد اللـ
يث الهمام أبي الفضائل والتقى 

ردءا تمناه لسبط محمد 
بالنفس يفديه ولا يهوى البقا 

قرت به عيناه يوم ولادته
من حيث جاء لما أراد مصدقا

جاءت به الحوراء تحمله وقد
شغفت به وبه الفؤاد تعلقا

تحنو عليه وتنثني لأبيهما
من كان كالأم الرؤوم وأشفقا

حلو الشمائل مذ رآه وفيه من 
معنى البسالة والجمال مع النقى 

سماه عباسا وقال ملقباً
قمرا فقل أسمى واجمل رونقا 

بالفضل كناه أبوه لأنه 
من أمه وأبيه للفضل ارتقا 

ثم انثنى للطفل يلثم كفه
والدمع منه على الخدود ترقرقا

ماذا رأى قل لي بكف وليده 
نقصا به فالدمع منه تدفقا 

أم هل تصور ما يحل بنجله 
بالطف من عصب العدى أهل الشقا

يا ساعد الله الحسين فإنه 
قد شام ما أشحى الوصي وأقلقا

ألفاه مقطوع اليدين مجدلاً 
ورأى سقاه من السهام مخرقا

وانصاع ينعاه بلهفة ثاكلٍ
والقلب من نار المصاب تحرقا

الأن مني الظهر مكسوراً غدا
وكذاك قلّت حيلتي عند اللقا 

🔴أبو الفضل وتاريخ ولادته الشريفة : 

هذا ، ولا يخفى أنّ ولادة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ـ على المشهور وذلك حسب بعض الكتب التاريخية ـ كانت في المدينة المنورة ، وبتاريخ اليوم الرابع من شهر شعبان المعظّم سنة ست وعشرين هجرية على هاجرها آلاف التحية والسّلام .

وعلى هذا فإنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام قمر بني هاشم تلا في ولادته ولادة أخيه شمس الكونين الإمام أبي عبد الله الحسين من حيث اليوم والشهر بيوم واحد وفي نفس الشهر ، ومن حيث السنين والأعوام بثلاث وعشرين سنة وكان ـ على ذلك ـ له من العمر حين استشهد أربعة وثلاثون عاماً .

🔴أبو الفضل وتسميته : 

لقد سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله سنناً ندب إليها الإسلام وحبّذها ؛ وذلك لِما فيها من زكاة ورشد للطفل ، وطهارة وبركة لروحه وجسمه ، وفائدة ومنفعة لدنياه وآخرته .

ففي حديث شريف عن أبي عبد الله الصادق عليه السّلام أنّه قال : (( سبع خصال في الصبي إذا ولد من السنّة :

🔷أُولاهن : يُسمّى .

🔷والثانية : يُحلق رأسه .

🔷والثالثة : يُتصدّق بوزن شعره ورقاً وذهباً إن قدر عليه .

🔷والرابعة : يُعتق عنه .

🔷والخامسة : يُلطخ رأسه بالزعفران .

🔷والسادسة : يُطهّر بالختان .

🔷والسابعة : يُطعم الجيران من عقيقته )) .

وفي أحاديث مباركة اُخرى تؤكّد إجراء بعض هذه السنن الإسلاميّة المباركة في اليوم السابع من الولادة ، كالتسمية والحلق ، والختان والعقيقة والوليمة .

كما إنّ هناك روايات كريمة اُخرى تؤكّد ـ في خصوص التسمية من بين بقية السنن ـ على تقديم الاسم على الولادة ، وتحبّذ أن يسمّى الجنين وهو حمل في بطن اُمّه .

ولم تكتفِ تلك الروايات بالتسمية في أيام الحمل فحسب وإنّما حبّذت أن يوضع للحمل حتّى الكنية واللقب أيضاً ؛ وذلك ـ على ما في الرواية ـ كي لا يسمّى الطفل فيما بعد ولا يكنّى ، وكذلك لا يلقّب بما يكرهه وما هو شين عليه ، حتّى أنّه ـ لا سمح الله ـ لو سقط ذلك الحمل قبل تمامه وكماله كان له اسم يدعى به يوم القيامة .

ولهذا كان أهل البيت عليهم السّلام يسمّون أولادهم في أيام الحمل ويكنّونهم ويلقّبونهم ، كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وآله ذلك حيث سمّى حمل ابنته فاطمة الزهراء عليها السّلام  الذي أسقطه الغاصبون للخلافة ـ محسناً عليه السّلام .

هذا ولا يخفى أنّه لا منافاة بين هذه الطوائف الثلاث من الأحاديث الشريفة ، إذ يوضع الاسم على الجنين وهو حمل في بطن اُمّه ، وكذلك الكنية واللقب في اليوم الأوّل من ولادة ذلك الطفل ، وفي اليوم السابع من ولادته . كما أن للأبوين إذا رأيا تغيير الاسم أو الكنية واللقب من الحسن إلى الأحسن كان لهما ذلك ، وغيّرا في اليوم الأوّل وفي اليوم السابع من ولادة طفلهما .

إذاً فالتسمية وأخويها ـ اللقب والكنية ـ تكون جميعاً على الحمل في أيام حمله ، ثمّ تجدّد نفسها للطفل ، وتبدّل إلى غيرها في اليوم الأوّل ، واليوم السابع من ولادته وذلك حسب إرادة الوالدين التثبيت والتغيير .

🔴أمير المؤمنين وبكائه على أبي الفضل يوم ولادته : 

🔲ذكر العلامة المقرم في كتابه العباس صفحة 137 

قال ومما لا شك فيه أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أحضر أمامه ولده المحبوب ليقيم عليه مراسيم السنة النبوية التي تقام عند الولادة نظر إلى هذا الولد الذي يتحرى البناء على أمه أن تكون من أشجع بيوتات العرب ليكون ولدها ردءا لأخيه السبط الشهيد يوم تحيط به عصب الضلال . 

شاهد بواسع علم الإمامة ما يجري عليه من الفادح الجلل فكان بطبع الحال يطبق على كل عضو يشاهده مصيبة سوف تجري عليه ، يقلب كفيه اللتين سيقطعان في نصرة حجة وقته فتهمل عيونه ويبصر صدره عيبة العلم واليقين فيشاهد منبتاً لسهام الأعداء فتتصاعد زفرته وينظر إلى رأسه المطهر فلا يعزب عنه انه سوف يقرع بعمد الحديد فتثور عاطفته وترتفع عقيرته فيتنفس الصعداء ويكثر من قول مالي وليزيد . 

🔴الحوراء زينب وبكاؤها على أبي الفضل يوم ولادته الشريفة : 

🔲ذكر في النص الجلي في مولد العباس بن علي للمرحوم الخطيب الملا محمد علي الناصري صفحة 39 : 

قال : فلما فرغ أمير المؤمنين من مراسيم السُنة التفتت إليه زينب وقالت يا أبتاه ما اسمه وكنيته ، فقال بنية أما اسمه ( عباس) وكنيته ( أبو الفضل ) وأما ألقابه فكثيرة منها ( قمر بني هاشم ) و (السقاء)  فلما سمعت زينب قالت يا أبتاه أما اسمه (عباس) ففيه علامة الشجاعة والفروسية وأما كنيته أبو الفضل ففيه الشهامة والتفضيل وأما لقبه قمر بني هاشم ففيه علامة البهاء والجمال ولكن ما معنى (السقاء) هل يكون أخي سقّاء ؟ فقال لها عليه السلام بنية ، لا كما تظنين انه تكون له السقاية منه وشغلاً ويسقي الأجانب ولكنه يسقي أهله وعشيرته انه ( ساقي عطاشى كربلاء ) فلما سمعت زينب ذلك تغير لونها واختنقت بعبرتها وجرت مدامعها على خديها فقال عليه السلام كفكفي دمعك وخذي أخاك وان له وإياك لشأن ، فأخذته زينب ورجعت به إلى أمه ، وأقبلت به إلى اُمّه اُمّ البنين التي بقيت بانتظارها 

نعم ، كانت اُمّ البنين تنتظر السيّدة زينب عليها السّلام بفارغ الصبر ؛ لتطّلع عبرها على اسم وليدها الجديد وكنيته ولقبه ؛ لذلك لمّا رأتها مقبلة به استقبلتها بنظراتها الحانية ، وقالت متسائلة : وهل انتخب مولاي الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لولدنا اسماً ، واختار له كنية ولقباً ؟

فأجابتها السيّدة زينب عليها السّلام بانطلاق وحبور : نعم يا اُمّاه ، لقد انتخب له أحسنها وأجملها .

عندها قالت اُمّ البنين بلهفة واشتياق : تفضّلي يا سيّدتي عليّ ببيانها .

فقالت السيّدة زينب عليها السّلام : أمّا اسمه فهو عبّاس ؛ وأمّا كنيته فهي أبو الفضل ؛ وأمّا لقبه فهو قمر بني هاشم .

وما أن سمعت اُمّ البنين بلقب وليدها الجديد قمر بني هاشم الذي لقّبه به أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلاّ وتذكّرت رؤياها التي رأتها قبل زواجها ؛ فتهلّل وجهها وانشرح صدرها ، وانطلق لسانها بالحمد والشكر على الله سبحانه وتعالى ، وأخذت تقول : الحمد لله الذي صدقني الرؤيا وحقّق لي وعده .

عندها سألتها السيّدة زينب عليها السّلام عن منامها وعن قصة رؤياها ، فقصّت عليها اُمّ البنين رؤياها التي كانت قد رأتها قبيل زواجها من الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وكيف انقضّ القمر من كبد السماء في حجرها .

فقالت السيّدة زينب عليها السّلام وهي تلثم أخاها الرضيع وتقبّله : نعم ، لقد صدقت رؤياك ، إنّ وليدك هذا قمر بني هاشم ، وهو أجلّ من القمر وأفضل ، إنّه قمر العشيرة أبو الفضل العبّاس عليه السّلام .




⬛️ قول آخر في ولادته الشريفة : قيل إنّه لمّا مضت أيام على ولادة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام جاءت السيّدة زينب عليها السّلام إلى أبيها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يوماً وهي تحمل أخاها العبّاس عليه السّلام ، وقد ضمّته إلى صدرها ، وقالت له : أبه يا أمير المؤمنين ، ما لي أرى قلبي متعلّقاً بهذا الوليد أشدّ التعلّق ، ونفسي منشدّة إليه أكبر الانشداد ؟

فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بلطف وحنان قائلاً : (( وكيف لا تكونين يا أبه كذلك وهو كفيلك وحاميك ؟ )) .

فقالت السيّدة زينب عليها السّلام بتعجّب : إنّه كفيلي وحاميني ؟!

فأجابها عليه السّلام بعطف وشفقة : (( نعم يا بُنيّة ، ولكن ستفارقينه ويفارقك )) .

فقالت السيّدة زينب عليها السّلام  باستغراب : يا أبتاه ، أيتركني هو أم أتركه أنا ؟

فقال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يجيبها بلهفة ولوعة : (( بل تتركينه يا بُنيّة وهو صريع على رمضاء كربلاء ، مقطوع اليدين من الزندين ، مفضوخ الهامة بعمد الحديد ، ضامٍ إلى جنب الفرات )) .

فلم تتمالك السيّدة زينب عليها السّلام لمّا سمعت ذلك حتّى أعولت وصاحت : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وإلى هذا أشار الشاعر حيث يقول :

جـاءتْ بهِ الحوراءُ تحملُه وقد      
شـغـفـتْ بهِ وبهِ الفؤادُ تعلّقا

تـحـنو عـليهِ وتنثني لأبيهما       
مَـنْ  كانَ كالاُمِّ الرؤومِ وأشفقا

حـلو الشّمائلِ مذ رآهُ وفيهِ من      
معنى البسالةِ والجمالِ مع التّقى

ســمّـاه عـبّـاساً وقالَ ملقّباً      
قـمراً فقل أسمى وأجمل رونقا

🔴أبو الفضل ووضائته وصباحته : 

⬛️ جاء في وصف أبي الفضل العبّاس عليه السّلام، كما عن أبي الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيِّين : وكان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض ، وكان يقال له قمر بني هاشم .

⬛️وقيل في صفته عليه السّلامأيضاً : ويقال له قمر بني هاشم لوضاءته وجمال هيئته ، وإنّ أسرّة وجهه تبرق كالبدر المنير ، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء

⬛️وجاء في فرسان الهيجاء : أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام إنّما دُعي قمر بني هاشم ؛ لأن نور مُحيّاه كان يُضيء كلّ ظلمة ، وجمال هيئته كان يبهر كلّ ناظر ؛ فإنّ نور وجه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وجمال مُحيّاه كان بدرجة من العظمة والبهاء ، بحيث أنّه لو اتّفق أن رافق في الطريق ابن أخيه علي الأكبر الذي كان أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً بجدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله اصطفّ أهل المدينة في طريقهما ليتفرّجوا على جمالهما ، ويزوروا مُحيّاهما ، ويتزوّدوا من نور إيمانهما ومعنوياتهما العالية .

نعم ، ورث أبو الفضل العبّاس عليه السّلام من آبائه وأجداده حسن السيرة وجمال الصورة ، واجتمع فيه بعد أخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهما السّلام كلّ آيات الحسن والجمال ، وعلامة الشرف والجلال ، حتّى عُرف عند الجميع بـ ( قمر بني هاشم ) .

🔴أبو الفضل قمر العشيرة : 

العشيرة هي القبيلة ، وقبيلة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام من طرف الأب لبّ قريش ومخّها ، وأشرف العرب وأكرمها ، أعني قبيلة بني هاشم والهاشميِّين .

كما إنّ قبيلة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام من طرف الاُمّ هي قبيلة بني كلاب من آل الوحيد ، وكانوا من أبرز القبائل العربية شرفاً وأظهرهم مناقب ، وأجمعهم بالمآثر الكريمة والأخلاق النبيلة ؛ ولذلك جاء اختيار عقيل بن أبي طالب عليه السّلام عندما استشاره الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في الزواج من أكرم بيوتات العرب وأشجعها على هذه القبيلة ، فاختار له منها كريمة قومها وعقيلة أسرتها فاطمة الوحيديّة الكلابيّة اُمّ البنين عليها السّلام .

🔴أبو الفضل مفخرة بني هاشم : 

من الطبيعي لكل عشيرة وقبيلة أن تنتخب نوادر شخصياتها ونوابغ رجالها ؛ لتجعلهم قدوة تقتدي بهم ، وأُسوة حسنة لغيرهم ، وعلماً تفتخر على الآخرين بهم ، ونبراساً تستلهم من نورهم .

والعباس ابن أمير المؤمنين عليه السّلام هو مَنْ تفوّق بين القبيلتين في كلّ معاني الخير والجمال ، والشجاعة والشهامة ، والفصاحة والنباهة . لقد كان في حسن السيرة والأخلاق قمّة ، وفي جمال الوجه والمُحيّا روعة .

كان وجهه كالقمر ليلة البدر ، حيث إنّه ورث الجمال من آبائه وأجداده ، وفعاله كالشمس في ضاحية النهار ، حيث إنّه قد تأدّب على يدي أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وأخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليها السّلام ؛ ولذلك أسرع بنو هاشم عشيرته من ناحية الأب إلى الافتخار به والاعتزاز بشخصيته ، فأطلقوا عليه وبكلِّ كفاءة لقب ( قمر بني هاشم ) ، فاشتهر العبّاس عليه السّلام بهذا اللقب بين الهاشميين ، ثمّ فشا لقبه هذا وبكلِّ سرعة بين الناس .

🔴أبو الفضل ومفخرة آل الوحيد :  

وهنا لمّا رأى بنو كلاب من آل الوحيد ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السّلام متفوّقاً على كلّ أفراد عشيرتهم في الجمال والجلال ، متميّزاً على كلّ قبيلتهم في المكارم والكمال ، وهو بنبوغه هذا فخر لعشيرتهم وعزّ لقبيلتهم ، ولا بدّ أن يعتزّوا به ويفتخروا بانتسابه إليهم ؛ ليزدادوا بين العشائر وجهةً ، ويكتسبوا عن طريقه في الناس رفعةً ومكانة ، ولئلاّ ينفرد بالافتخار به بنو هاشم وحدهم ويعتزّوا به دونهم ؛ جاؤوا وأطلقوا على ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السّلام لقب ( قمر العشيرة ) ، فعُرف عليه السّلام بعد ذلك به .

وهكذا حصل أبو الفضل العبّاس عليه السّلام على لقب قمر بني هاشم ، ولقب قمر العشيرة ، فهو بكل جدارة قمر العشائر والقبائل كلّها ، بل هو قمر متلألئ في سماء الإنسانية وآفاق البشرية جميعها ؛ يضيء لهم الدرب ويهديهم إلى الصراط المستقيم ، صراط علي أمير المؤمنين عليه السّلام والأئمة المعصومين من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ويحذّرهم ظلام السّبل المعوجّة والملتوية ، سبل بني اُميّة وآل أبي سفيان ومعاوية ويزيد ، وكلّ مَنْ سار على طريقهم وسلك في سبيلهم .

🔴أبو الفضل وأسمه في اللغة :

واسـمهُ  العبّاسُ وهو اسمُ الأسدْ بل هو الأشجعُ إنْ في الحربِ شدْ

🔳 جاء في لسان العرب : العبّاس : الأسد الذي تهرب منه الأسود ، وبه سمّي الرجل عبّاساً .

🔳 وفي كتاب آخر : العبّاس والعبوس ، كثير العبس ، وهما من أسماء الأسد .

🔳 وفي منتهى الأرب : العبّاس بصيغة المبالغة يقال : للشجاع المقدام ، والشديد البأس ، وعظيم الكرّ ، وهو بمعنى الأسد أيضاً ؛ ولهذا عبّر عنه الأكثر ـ وهو يصف العبّاس في ساحة الحرب ـ بالأسد الغضبان .

🔳 قيل أيضاً العبّاس : بفتح العين وتشديد الباء يعني : الأسد ، وهو اسم عمّ النبي صلّى الله عليه وآله، واسم نجل أمير المؤمنين عليه السّلام من زوجته الوحيديّة الكلابيّة التي تزوّجها بعد فاطمة الزهراء عليها السّلام ، وحيث كان العبّاس هذا شجاعاً مقداماً ، يكرّ على الأعداء في الحروب كالأسد الغضبان سمّي بالعبّاس .

🔳 وعن منتخب الطريحي : كان العبّاس بن علي عليه السّلام كالجبل العظيم ، وكالطود الجسيم ؛ لأنّه كان فارساً هماماً ، وبطلاً ضرغاماً ، وكان جسوراً على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحرب .

🔳وفي مصدر آخر : وسمّاه أمير المؤمنين عليه السّلام بالعبّاس لعلمه بشجاعته وشهامته ، وسطوته وصولته ، فلقد كانت الأعداء ترتجف أبدانهم وترتعد فرائصهم ، وتعبس وجوههم خوفاً من العبّاس عليه السّلام إذا برز ، وكان في الحروب والغزوات يحارب الشجعان وينازلهم كالأسد الضاري حتّى يجدّلهم صرعى .

🔳 وفي مقاتل الطالبيِّين : كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض خطّاً .

🔳 وفي كتاب آخر : الذين قُتلوا مع الإمام الحسين عليه السّلام كانوا جميعاً في أعلى درجات الشجاعة ، وأرفع مراتب الشهامة ، إلاّ أنّ العبّاس بن علي عليه السّلام كان له من قداحها المعلى ، ورتبته أنبل وأعلى ، يقتبس أنوارها ، ويقتطف ثمرها ونورها ، وناهيك بمَنْ كان ضلعاً من أضلاع أشجع البريّة ، ودوحة من الروضة العلويّة ، وغصناً من أغصان الشجرة المباركة الزيتونة النورانية .

أبوه الإمام أمير المؤمنين سيّد البريّة ، وأخوه الإمام الحسن والإمام الحسين عليها السّلام سيّدا أهل الإباء وأهل الحميّة ، ولا يقاس بشجاعته إلاّ شجاعة أبيه وأخويه ، ولقد ادّخره أبوه لينصر أخاه الإمام الحسين عليه السّلام بمهجته ويواسيه بنفسه .

🔴أبو الفضل ونقطة من فيض كراماته التي لا تحصى وكيفية التوسل به عليه السلام : 

🔳أبو الفضل يجير مَنْ استجار به : 

جاء في كتاب ( الكبريت الأحمر ) للعلاّمة النحرير الشيخ البيرجندي أنّه قال وهو يتحدّث عن نفسه ، ويقصّ بعض خواطره : أنّه كان قد توسّل بأبي الفضل العبّاس عليه السّلام إلى الله تعالى في إنجاز بعض مهمّاته ، ووسّطه في حلّ شيء من مشكلاته ، ولكنه لم يرَ أثراً من الإجابة .

فرأى ذات ليلة رؤيا صادقة في منامه أنّه رأى شخصاً يقول له : كلّ مَنْ كانت له حاجة إلى الله تعالى فليقرأ هذه العبارة متوسّلاً بأبي الفضل العبّاس عليه السّلام إلى الله ؛ فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته بوجاهة أبي الفضل عليه السّلام عنده ، والعبارة هي كالتالي : عبد الله ، أبا الفضل ، دخيلك .

قال الشيخ البيرجندي : فما توسّلت إلى الله تعالى بعد ذلك بأبي الفضل عليه السّلام وقرأت هذه العبارة إلاّ وقضى الله تعالى حاجتي ، وكشف عنّي همّي وغمّي ، وبلغني مناي وأملي .

🔳أبو الفضل وإغاثته المستغيثين : 

نقل عن أحد المراجع العظام نقلاً عن بعض العلماء المقيمين في قم المقدّسة أنّه قال : عرضت لي مشكلة فتوسّلت بإمام العصر الحجة بن الحسن العسكري عليه السّلام إلى الله تعالى في حلّها ، وكنت أذهب في ذلك إلى مسجد جمكران المعروف في قم المقدّسة .

مضت على ذلك مدّة من الزمان ولم أرَ أثراً من الإجابة ، فانكسر قلبي ذات مرّة وأنا في الصلاة المستحبة التي تُصلّى في مسجد جمكران ، وأخذت أُخاطب سيّدي ومولاي الإمام الحجة عليه السّلام وأقول : سيّدي ومولاي ، لقد توسّلت بك إلى الله تعالى في حلّ مشكلتي وقضاء حاجتي فلم أرَ أثراً للإجابة ، فهل يسوغ لي أن أتوسّل بغيرك وأنت إمامي ، ومَنْ له حق الطاعة عليّ في عنقي ؟!

ثمّ قلت : فإنّي لا أسمح لنفسي أن أتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد سواك حتّى لو كان وجيهاً عند الله مثل باب الحوائج أبي الفضل العبّاس عليه السّلام .

ثمّ قال : وهنا غلبني الحزن والبكاء وانكسار القلب والخاطر ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت مَنْ يقول لي : لا بأس عليك بالتوسّل إلى الله تعالى بعمّنا أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، ونحن ندلّك على ما تقوله عند التوسّل إلى الله تعالى به ، فإذا كانت لك حاجة فتوسّل به إلى الله تعالى بهذه العبارة وقل : يا أبا الغوث أغثني .

🔴أبو الفضل و كيفية التوسل لله به : 

🔳 جاء في كتاب منتخب التواريخ ما مضمونه : أنّ اسم العبّاس من حيث حساب الأبجد يساوي عدد حروف اسمه بالجُمل ما عدا الألف واللام : (133) , كما إنّ عدد حروف لقبه ( باب الحسين (عليه السّلام) ) بالجمل ما عدا الألف واللام أيضاً يساوي ( 133 ) .

🔳 من الختومات المجرّبة لتسهيل الحوائج وقضائها ، وإنجاحها وإمضائها هو مخاطبة العبّاس عليه السّلام بعدد حروف اسمه ( 133 ) بما يلي : يا كاشف الكرب عن وجه أخيه الحسين عليه السّلام , اكشف كربي بحقّ أخيك الحسين عليه السّلام .

ولعلّه إلى هذا المعنى أشار الشاعر حيث يقول :

يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهدى      
والشمسُ  من كدرِ العجاجِ لثامُها

🔳 نقل عن العلاّمة المازندراني صاحب كتاب معالي السبطين أنّه قال : مَنْ كانت له حاجة ويشكو مشكلة فليتوسّل إلى الله تعالى بأبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وليكرّر هذا التوسّل أياماً حتّى تُقضى حاجته ، وترتفع مشكلته ، وذلك بأن يصلّي على محمّد وآل محمّد ( 133 ) ، ثمّ يقول : يا عبّاس ( 133 ) مرّة ، ثمّ يعود فيصلّي على النبي وآله ( 133 ) مرّة ، فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته ، ويفرّج عنه مشكلته .

🔳جاء في كتاب معالي السبطين : أنّ مَنْ كان في الصحراء ، وفي مكان قفر لا ماء فيه ، وأضرّ به العطش وخاف الهلاك ، فليتوسّل إلى الله تعالى بالعباس عليه السّلام ولينادي : يا أبا القربة ، فإنّه يروى من العطش ، ويرفع عنه الظمأ بإذن الله تعالى .

🔴أبو الفضل ونشـأته المباركة : 

لقد ارتضع أبو الفضل العبّاس عليه السّلام من اُمّ وفيّة ، ووالدة كريمة منتمية إلى بيت كريم ، وأسرة نجيبة ، وذات عراقة وأصالة ، ومجد وسؤدد ، ألا وهي ـ كما عرفت ـ فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة المكنّاة بـ (اُمّ البنين) عليها السّلام ، وتربّى في أحضانها ، وتروّى من إيمانها وولائها ، وعلمها ومعرفتها ؛ حيث إنّها كانت من الفاضلات العالمات .

كما وترعرع في حجر والد كريم وسيّد عظيم ، نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله ووصيّه ، وخليفته من بعده ، وارث علم النبيِّين وسيّد الوصيِّين ، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النعيم ، الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام .

لقد كان أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ملازماً لأبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أيام إقامته في المدينة المنورة ، ثمّ هاجر معه عليه السّلام إلى العراق وأقام معه في الكوفة ، وهو في كلّ ذلك تحت عنايته الشفيقة ، ورعايته التربوية الحكيمة ، فاكتسب من هذين الأبوين الكريمين كلّ مكرمة وفضيلة ، وورث منهما بالتربية والوراثة المكارم والأخلاق الحميدة ، والعلم الجمّ والمعارف الإلهية النبيلة .

🔳 قُل : واحـد : 

ففي التاريخ : أنّ أباه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام دعاه يوماً وهو بعد في سنّ الطفولة وقد انطلق لسانه ، وتعلّم النطق ببعض الكلمات ، فأخذه وضمّه إليه ، ثمّ أجلسه في حجره وقال له : (( بُني عبّاس ، قل : واحد )) .

فقال العبّاس عليه السّلام : واحد .

فقال له عليه السّلام : (( يا ولدي ، قل : اثنين )) .

فأبى وامتنع من أن يقول اثنين ، ثمّ التفت إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام  وقال : إنّي يا أبه أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحداً. 

وكان هذا الجواب هو الذي ينتظره الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام من ولده العبّاس عليه السّلام ؛ لذلك التفت إليه وقال : (( أحسنت يا ولدي ، وبارك الله فيك )) . ثمّ أخذه وضمّه إلى صدره ثانية وقبّل ما بين عينيه .

🔴أبو الفضل وملازمته لأخويه الحسنين : 

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام بقي بعد أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ملازماً لأخويه السّبطين الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهما السّلام ، وهما اللذان قد أثنى عليهما وعلى ابن عمّهما عبد الله بن جعفر حتّى مثل عثمان بن عفان ؛ فإنّه قال للسائل الذي سأله فأعطاه هو خمسة دراهم فقط ، فسألهم فأغدقوا عليه المال : ومَنْ لك بمثل هؤلاء الفتية ؟ اُولئك فطموا العلم فطماً ، وحازوا الخير والحكمة .

نعم ، لقد لازم أبو الفضل العبّاس عليه السّلام بعد أبيه أخويه عليهما السّلام ، ورجع معهما إلى المدينة المنورة ، وبقي في خدمتهما مدّة إقامتهما فيها ، وتعلّم منهما أيضاً معالم الدين واُصوله ، وأحكام الإسلام وفروعه ، ومحاسن الأخلاق ومكارمه ، حتّى إذا استشهد السّبط الأكبر الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام على يدي معاوية بالسمّ غدراً صار ملازماً لأخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وبقي معه ما دام الإمام عليه السّلام في المدينة المنورة ؛ يتلقّى من علومه ويتروّى من جميل أخلاقه وآدابه ، حتّى إذا خرج الإمام الحسين عليه السّلام إلى العراق خرج معه أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ولازم ركابه حتّى قُتل بين يديه شهيداً صابراً محتسباً .

لقد امتازت نشأة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عن غيره من أولاد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بأنّه اختصّ من ينهم بصحبة والده وأخويه السّبطين ، بل وابن أخيه الإمام زين العادين عليه السّلام أيضاً ، وملازمته لهم والتلمذة عندهم ، والتروّي من معين علمهم ، وزاكي أخلاقهم ، ولذلك جاء نسخة طبق الأصل من حيث الفضائل والمكارم والعلم والمعارف ، حتّى قال الشاعر في حقّه وهو يصف مناقبه وفضائله :

وفي العبّاسِ من كرمِ السجايا      
كثيرٌ ليس يحصرُ في مقالِ

وفاءٌ  ، نجدةٌ ، زهدٌ ، وعلمٌ      
وإيثارٌ ، وصدقٌ في المقالِ

عـفافٌ  ظاهرٌ ، حلمٌ وجودٌ      
وبـأسٌ صادقٌ عندَ النزالِ

🔴أبو الفضل وكُناه : 

الكنية من حيث اللغة هو : الاسم المصدّر بالأب مثل : أبو الحسن ، والاُمّ مثل : اُمّ أيمن . وقيل المصدّر بالابن أيضاً مثل : ابن الرضا ، والمصدّر بالابنة أيضاً مثل : ابنة فاطمة .

وقيل : إنّه يشترط في الكنية أن يكون مشعراً بالمدح والذم ، كما أنّهم جعلوا حكمة الكنية هو التعظيم والتحقير ، فقالوا : إنّ هناك مَنْ لا يدعونه باسمه بل بكنيته تبجيلاً وتكريماً ، كما إنّ هناك مَنْ يدعونه بكنيته توهيناً وتحقيراً .

وعلى كلّ حال ، فقد اشتهر العبّاس بن علي بن أبي طالب عليه السّلام بكنى متعدّدة ، وكلّها تحكي الثناء والتعظيم ، وتفصح عن المدح والتبجيل للعبّاس عليه السّلام ، غير أنّ الأشهر من بين الجميع هو : أبو الفضل . ويتلوه شهرة : أبو فاضل ، ثمّ أبو القاسم ، ثمّ ابن البدوية ، ثمّ أبو القربة ، وأبو الشارة ، وأبو رأس الحار ، وأبو فرجة .

كناه عليه السّلام مشعرة بالتعظيم لقد سبق في السرد تعريف الكنية ومعناها اللغوي : بأنّها الاسم المصدّر بالأب والأم والابن والابنة ، مضافاً إلى شروطها الاُخرى : من إشعار المدح والذم ، وحكمة التعظيم والتحقير ؛ فإنّ هذا التعريف يوقفنا على أنّ الاسم المصدّر بواحد من الأب والأم ، والابن والابنة يعدّ كنية حتّى وإن لم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالأب والأم ابن ـ مثلاً ـ يدعى بذلك الاسم ، ولم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالابن أو الابنة أب ـ مثلاً ـ يدعى بذلك الاسم .

🔳أبو الفضل ، وأبو فاضل : 

وعليه فيكون أبو الفضل وكذا أبو فاضل وهكذا غيره من كنى العبّاس عليه السّلام مشعراً بالمدح والثناء ، وحاكياً عن التعظيم والتبجيل ، وليس مستلزماً لأن يكون له ابن يدعى بـ ( الفضل ) وبـ ( فاضل ) ـ مثلاً ـ حتّى وإن قيل بأنّه عليه السّلام كان له ابن يدعى بـ ( الفضل ) بن العبّاس عليه السّلام .

وكيف كان فإنّ كنى العبّاس عليه السّلام كلّها مشعرة بالمدح والثناء عليه ، كما إنّ الحكمة من وضعها له هي تعظيمه وتبجيله عليه السّلام بها ؛ ولذلك نرى الشاعر يقول في حقّه عليه السّلام :

أبا الفضلَ يا مَنْ أسسَ الفضلَ والإبا      
أبـى الـفـــضــلُ إلاّ أن تـكــونَ لـــهُ أبا

وقال آخر :

فأنتَ  أخو السبطينِ في يومِ مفخرٍ      
وفي يومِ بذلِ الماءِ أنتَ أبو الفضلِ

وأمّا ( أبو فاضل ) فإنّ العرب قد تعارفوا على أن يُكنّوا كلّ مَنْ كان اسمه ( عبّاس ) بكنية معروفة لديهم هي ( أبو فاضل ) ، سواء كان لديه ابن بذلك الاسم أم لا .

🔳أبو القاسـم : 

وأمّا ( أبو القاسم ) فهو كنية سيّد المرسلين ، وخاتم النبيِّين محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله ، وقد كُنّي العبّاس عليه السّلام بها تشريفاً له وحفاوة به ؛ وذلك كما ورد في زيارة الأربعين المنقولة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، حيث إنّه وقف على قبر أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وقال : السّلام عليك يا أبا القاسم ، السّلام عليك يا عبّاس بن علي . . . ، وإن قيل : بأنّه كان للعبّاس عليه السّلام ابن يدعى باسم القاسم بن العبّاس عليه السّلام .

🔳 ابن البــدوية : (معيّدية) 

وأمّا ( ابن البدوية ) بفتح الباء والدال ، أو سكون الدال وكسر الواو فهو إشارة إلى فروسيّة العبّاس عليه السّلام وشجاعته التي ورثها عن طريق اُمّه اُمّ البنين عليها السّلام ، التي كانت تنحدر من قبيلة بدوية معروفة بالشجاعة والفروسيّة .

كما إنّ فيها إشارة إلى حسن الطباع وكرم الأعراق ، وطيب الأخلاق والآداب التي كانت تتحلّى بها اُمّ البنين ، والتي ورّثتها لابنها العبّاس عليه السّلام ؛ وذلك نظراً لانتمائها إلى البادية التي تشبع روح ساكنيها بالصفاء والوفاء ، وتروي نفوسهم بالعزّة والإباء ، وتقوّي عقولهم بالرحابة والطلاقة .

🔳أبو القربـة : 

وأمّا ( أبو القربة ) بكسر القاف وسكون الراء فهو ممّا جاء من ألقابه عليه السّلام في كتاب مسار الزائرين لابن إدريس ، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج ، والأنوار النعمانيّة ، وتاريخ الخميس وهو كناية عن تصدّيه عليه السّلام لمهمّة السقاية ، يعني سقاية الماء التي لها عند الله أجراً كبيراً وثواباً جزيلاً .

فقد كان العبّاس عليه السّلام المسؤول عن سقاية الماء إلى موكب الإمام الحسين عليه السّلام عند خروجه من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة ومنها إلى العراق ، وبالخصوص في كربلاء ، وخاصة بعد تحريم الماء من قِبَل يزيد بن معاوية على آل الرسول صلّى الله عليه وآله ومنعه عنهم .

كما إنّ فيها إشارة إلى مواساته عليه السّلام أخاه الإمام الحسين عليه السّلام في يوم عاشوراء ، حيث ورد المشرعة وملأ القربة ماءً ، ولكنه لم يذُق من الماء ولا قطرة مع شدّة عطشه وكبير ظمأه ؛ وذلك احتراماً لأخيه الإمام الحسين عليه السّلام وأطفال أخيه وبنات رسول الله صلّى الله عليه وآله العطاشى .

كما إنّ فيها إشارة أيضاً إلى طريقة شهادته عليه السّلام وكيفية قتله ؛ حيث إنّه حفاظاً على القربة ومائها ، وإيصالها سالمة مع الماء إلى حرم الإمام الحسين عليه السّلام وأطفاله عكف كلّ همّه على بلوغ هذه الأُمنية ، ممّا ترك لأجلها المبارزة مع الأعداء ومجابهتهم في ساحة الحرب ، حتّى طمع الأعداء في قتله وتجرّؤوا على الكمين له في طريقه ، وكذلك فعلوا ؛ حيث كمنوا له في طريقه من وراء النخيل وقطعوا أوّلاً يديه ، ثمّ استهدفوا القربة وأراقوا ماءها ، ثمّ أردوه قتيلاً .

🔳أبو الشـارة : 

وأمّا ( أبو الشارة ) من شوَّر بالرجل فتشوّر ، أي إذا خجّله فخجل ، فهو كناية عن كونه عليه السّلام صاحب الكرامات المعروفة التي تحصل عنده عليه السّلام من مراجعة المتخاصمين الذين انسدّت عليهما طرق المصالحة والاعتراف بالحقّ ، وأعيتهما كثرة المرافعة وتداول المنازعة وتبادل الاتهامات فيما بينها ؛ حيث يلجؤون إلى روضته عليه السّلام ويطلبون منه فضح المتّهم منهما ؛ فإنّه بمجرد ما يحلف المتّهم كذباً بالعباس عليه السّلام ليثبت بزعمه براءته ، يشوّر العبّاس عليه السّلام به فيفضحه ، ويخجّله بتلجلج لسانه ، وتغيّر لونه ، وتربّد وجهه .

وكثيراً ما [ يحدث ] برفعه من الأرض وضربه بقسرٍ عليها ، وكبسه بها ، ممّا يؤدّي إلى موته أحياناً كثيرة ؛ فإنّه لكثرة وقوع هذه الكرامات في روضته المباركة عُرف عند العامّة بهذه الكنية المباركة ( أبو الشارة ) التي ترتجف من صداها فرائص الأشرار ، وترتعب من ذكراها قلوبهم القاسية ، حتّى قال فيه الشاعر :

وشاراته كالشّمسِ في الأفقِ شوهدت      
لـها من بناتِ المجدِ أومت إشاراتِ

🔳أبو رأس الحار : 

وأمّا ( أبو رأس الحار ) فهو كناية عن سرعة غضبه عليه السّلام) في الله تعالى ، وخاصّة بالنسبة إلى المظلومين الذين يستجيرون به ، ويلجؤون إلى روضته المباركة ، ويطلبون منه عليه السّلام أن ينتقم لهم من ظالميهم ، وأن يريهم فيهم ثأرهم ومآربهم ؛ فإنّه عليه السّلام لا يخيّب أمل مَنْ استجار به وطلب منه ذلك ، وإنّما يأخذ له بحقّه من ظالمه سريعاً عاجلاً .

وكم على ذلك من شواهد وعلامات ، وفي ذلك من قصص عجيبة وقضايا غريبة امتلأت بذكرها الكتب المعنيّة بذكر هذه الكرامات الظاهرة من ضريحه الأنور ، في مشهده المقدّس ، وتحت قبّته المباركة ، وفي روضته المنوّرة .

🔳أبو فُرجــه : 

وأمّا ( أبو فُرجه ) بضم الفاء وسكون الراء وفتح الجيم ، فهو إشارة إلى

تفريجه عليه السّلام همّ مَنْ شكا إليه همّه ، وتنفيسه كرب مَنْ بثّ إليه كربته ، وكشف غمّ مَنْ أباحه ما أغمّه ، وإغاثته للمستغيثين به ، وإجارته للمستجيرين بضريحه واللائذين بقبره الشريف ، وإجابته الملهوفين الذين يلجؤون إلى روضته المباركة ويلتمسون من جنابه الوساطة إلى الله تعالى في الفرج عنهم ، والكشف عمّا بهم ؛ فإنّه عليه السّلام سريعاً ما يشفع لهم ، ويتوسّط في اُمورهم فيفرّج الله تعالى عنهم ، ويكشف ما بهم من كرب وضرّ ، وذلك كما قال الشاعر :

 كـم فرّجَ اللهُ عنّا كربَ معضلةٍ      
كـرامةً  منهُ للعبّاسِ شبلِ علي

ورحـمةُ  اللهِ خـصّتْنا بفضلِهمُ      
عندَ الصعابِ عمّتْ فيهِ كلّ ولي
 
🔴أبو الفضل وألقابه : 

🔳اللّقب على ما عرّفوه هو : ما يسمّى به الإنسان بعد اسمه العَلَم من لفظٍ يدلّ على المدح والذم ، وحيث إنّ أبا الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين عليه السّلام كان حاوياً على جميع الخصال الحميدة ، وجامعاً لكلّ الصفات الحسنة والخلال الخيّرة ، كان كلّ ما لقّب به دالاً على المدح والثناء ، والتعظيم والتبجيل .

ولم يكن له عليه السّلام هنالك قطّ لقب فيه دلالة على الذم والجفاء ، والخفّة والشقاء ؛ وذلك لأنّه عليه السّلام لم يكن له ثغرة في حياته ، ولا منقصة في صفاته وخلاله حتّى يستطيع أحد من أعدائه ومناوئيه ـ مثلاً ـ نبزه بذلك اللّقب ، وانتقاصه بتلك الثغرة والفجوة ، كيف وهو ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وأخو الإمامين الهمامين ريحانتي الرسول صلّى الله عليه وآله وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليها السّلام ؟!

وهو بالإضافة إلى نسبه الشريف ربيب أهل بيت الوحي والنبوّة ، وأديب مَنْ تأدّبوا على يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله ، علماً بأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله هو أديب الله تعالى ، فقد ورد عنه صلّى الله عليه وآله قوله المشهور : (( أدّبني ربّي فأحسن تأديبي )) .

وعليه فقد ظهر من ذلك كلّه أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام هو مَنْ ورث الفضائل والمكارم من معدنه ، وتخلّق بالآداب والمحاسن من معينه ونميره ؛ ولذلك صار مجمعاً للجمال والكمال ، وأصبح منبعاً يفيض بالجود والنوال لأصحاب الحوائج والملمات . 

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام قد حوى من المكارم والمحاسن ، ومن الأخلاق والآداب ما لا يمكن قصرها في مجال ، ولا حصرها في مقال ؛ ولذلك جاءت ألقابه الدالّة على بعض من تلك المكارم والمحاسن ، والمشيرة إلى نماذج من تلك الآداب والفضائل ، عديدة وكثيرة ، ورفيعة ومنيعة ، ومنها بحسب ترتيب اشتهارها لدى الناس :

🔷باب الحسين 

🔷باب الحوائج .

🔷السقّاء .

🔷ساقي عطاشى كربلاء .

🔷قمر بني هاشم .

🔷قمر العشيرة .

🔷حامل اللواء .

🔷بطل العلقمي .

🔷كبش الكتيبة .

🔷حامي الظعينة .

🔷سبع القنطرة .

🔷الضيغم .

🔷العبد الصالح .

🔷العابد .

🔷الطيار .

🔷الشهيد .

🔷الصدّيق .

🔷الفادي .

🔷المؤثر .

🔷المواسي .

🔷الحامي والمحامي .

🔷ظهر الولاية .

🔷قائد الجيش .

🔷المستجار .

🔷الوافي .

🔷الساعي .

🔷المستعجل .

🔷المصفّي ، وغير ذلك .

🔳أبو الفضل باب الحسين : 

أبا الفضلِ أنتَ البابُ للسبطِ مثلما      
أبـوكَ  عـليٌّ كـان باباً لأحمدا

وقد كتب على مصراعي الباب الفضّي في الأيوان الذهبي من روضة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام المباركة أبيات من قصيدة الخطيب الشهير الأُستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي ، منها الأبيات التالية :

هو بابُ الحسينِ ما خابَ يوماً      
وافـدٌ جـاءَ لائذاً في حماهُ

إنّـهُ بـابُ حطّةٍ ليسَ يخشى      
كلَّ هولٍ مستمسكٌ في عراهُ

قـفْ  بـهِ داعياً وفيهِ توسّل      
فـبـهِ المرءُ يستجابُ دعاهُ

في البيت الأوّل من مطلع هذه [ القصيدة ] يشير الشاعر الموالي إلى أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام قد احتذى حذو أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في إيمانه وأخلاقه ، حيث كان من شدّة إيمان الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وكرم أخلاقه أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .

وكان هو عليه السّلام قد وقف نفسه على خدمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وحمايته والذبّ عنه ، حتّى اشتهر عنه قوله عليه السّلام : (( أنا عبدٌ من عبيد محمّد صلّى الله عليه وآله .

وحتّى قال فيه تعالى وهو يصف موقفه ليلة المبيت حين نام على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله موقياً له بنفسه : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. 

وغيرها من المواقف الاُخرى حتّى قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله : (( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمَنْ أراد المدينة فليأت الباب )) .

فكان عليه السّلام باباً للنبي صلّى الله عليه وآله ، ومصاحباً له في حلّه وترحاله ، وحضره وسفره ، وسلمه وحربه ، وواقياً له بنفسه وروحه ، وماله وولده ، وقد عرف بذلك حتّى أنّه صار مَنْ يريد الزلفى عند رسول الله صلّى الله عليه وآله يتقرّب بالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إليه .

ومَنْ يريد الحظوة لدى النبي صلّى الله عليه وآله يوسّط الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لديه ، ومَنْ أراد أن يقضي الله حاجته جعله بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله الوسيلة إلى الله تعالى في قضاء حوائجه .

وكذلك كان ولده أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السّلام باباً لأخيه الإمام الحسين عليه السّلام ؛ حيث كان من شدّة إيمان العبّاس عليه السّلام ونُبل أخلاقه أنّ الإمام الحسين عليه السّلام كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .

وكان هو عليه السّلام قد وقف نفسه لخدمة أخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وحمايته والدفع عنه حتّى اشتهر قوله في مخاطبته له: سيّدي ومولاي .

ولم يعرف عنه أنّه خاطبه يوماً وذات مرّة بقوله : يا أخي ، إلاّ في يومٍ واحد وذات مرّة واحدة فقط وهي في يوم عاشوراء ؛ وذلك حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض ، وهي ساعة حرجة يحنّ فيها الإنسان إلى أقرب ذويه وأخصّ خاصّته ، ولحظة يتلهّف الإنسان فيها إلى أن يتصفّح وجوه كلّ أقربائه وجميع حامته ؛ وذلك لأنّه يريد أن يلقي فيها بنظراته الأخيرة على وجوههم ، ويتصفّح ولآخر مرّة للوداع مُحيّاهم ، ويحبّ أن يرى في النهاية رأسه في حجرهم ، وجسمه بين جموعهم وحضورهم .

في هذه الساعة بالذات ، وفي تلك اللحظة الحسّاسة نفسها سمح أبو الفضل لنفسه أن ينادي أخاه بقوله : يا أخاه ! أدرك أخاك .

🔴أبو الفضل ومرقده وحرمه المنفرد :  

لعلّ الأمر الأخير كان هو الهدف من وراء ترك الإمام الحسين عليه السّلام أخاه العبّاس عليه السّلام في مكانه ، وعدم حمله إلى الفسطاط ، كما عليه المحقّقون من كبار العلماء والفقهاء .

ويؤيّده أنّه لمّا جاء الإمام زين العابدين عليه السّلام في اليوم الثالث من شهادة أبيه الإمام الحسين عليه السّلام إلى كربلاء ، وذلك بطريق المعجزة ، وأراد دفن الشهداء السّعداء ومواراة أجسادهم الطاهرة ، التفت إلى بني أسد بعد أن وارى بنفسه جسد أبيه الطاهر ، ووارى بمعاونة بني أسد أجساد الشهداء الأبرار وقال : (( انظروا هل بقي من أحد ؟ )) .

قالوا : نعم ، بقي بطل مطروح حول المسنّاة وهو موذّر ومقطّع إرباً إرباً ، وإنّا كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر ! فقال عليه السّلام : (( امضوا بنا إليه )) .

فمضوا جميعاً إليه ، فلمّا رآه انكبّ عليه يلثم نحره الشريف ، وهو يقول : (( على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته )) . ثمّ شقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وقال لبني أسد :(( إنّ معي مَنْ يعينني )) ، وعليه فإنّ الإمام زين العابدين عليه السّلام مع إمكانه ولو بطريق المعجزة ،

وتعاون مع بني أسد أن ينقل الجسد الطاهر إلى الحائر الشريف ، لكنه عليه السّلام مع ذلك لم ينقل جسد عمّه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عن مكانه ، ولم يحمله إلى بقعة أبيه الإمام الحسين عليه السّلام ولا إلى روضة الشهداء من أهل بيته وأصحابه ، وإنّما حفر له حيث مرقده الآن مرقداً ، وشقّ له ضريحاً وواراه فيه ؛ ليكون قبره الشريف ومرقده المنيف محطّاً ومزاراً ، وملاذاً ومعاذاً ، وباباً للذين يفدون لزيارة الإمام الحسين عليه السّلام ، وبوّاباً للذين يقصدونه بحوائجهم وآمالهم .

وهكذا كان ، فإنّ الوافدين والزائرين وكذلك هيئات المعزّين والمسلّين ، ومواكب العزاء كموكب السلاسل والتّطبير ، واللطم والتشبيه وغيرهم من الآمّين إلى كربلاء المقدّسة من ذلك الزمان وحتّى يومنا هذا يقصدون أوّلاً مشهد أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ويأمّون روضته المباركة ، ويوسّطونه لحوائجهم عند أخيه الإمام الحسين عليه السّلام ثمّ بعد ذلك يقصدون مشهد الإمام الحسين عليه السّلام ، ويتشرّفون بزيارته ويتبرّكون بحرمه وروضته ثانياً وأخيراً .

🔴أبو الفضل واقتداءه بأبيه : 

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام اقتدى بأبيه في الكرم والجود ، فصار باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسين عليه السّلام ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام باباً لأخيه وابن عمّه رسول الله صلّى الله عليه وآله .

بل إنّ العبّاس عليه السّلام أصبح بمؤهّلاته الخلقية وكفاءاته الإنسانية العالية باباً لولاية الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام ، بحيث لا يمكن لأحد أن يرد إلى مدينة حبّهم وحصن ولايتهم إلاّ عن باب محبّة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وولايته ؛ وذلك كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام باباً لنبوّة ابن عمّه رسول الله صلّى الله عليه وآله ورسالته ، بحيث لا يمكن لأحد أن يدخل مدينة علم رسول الله صلّى الله عليه وآله وحصن معارفه ، ويكون من الموقنين بنبوّته صلّى الله عليه وآله ومن المؤمنين برسالته إلاّ من باب ولاية الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقبول ولايته وخلافته عليه السّلام ؛ وذلك حسب ما اشتهر من قوله عليه السّلام : (( علي باب علمي ، ومبيّن لاُمّتي ما أرسلت به من بعدي )) . وقوله صلّى الله عليه وآله: علي وعاء علمي ووصيّي ، وبابي الذي اُوتى منه .

🔴أبو الفضل الباب المعنوي لا السياسي : 

من هنا علم أنّ المراد من معنى كون العبّاس عليه السّلام باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسين عليه السّلام كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو أنّه باب معنوي وروحي إلى مدينة المعنويات ، والمعارف والروحانيات والفضائل ، وإلى حصن الإيمان والتقوى والقرب إلى الله تعالى ، وإلى رسوله صلّى الله عليه وآله وإلى أوليائه عليهم السّلام .

وليس هو بالمعنى اللغوي المتعارف في الأوساط السياسية التي كلّ عليها الدهر وشرب من الأمس الغابر إلى اليوم الحاضر ؛ حيث قد تعارف أن يكون للملك والرئيس بوّاب وحاجب يمنع الناس من الوصول إليه والالتقاء به ، فقد كان هذا من شأن الجاهلية الأولى ، وعاد أيضاً على ما كان عليه في الجاهلية الثانية . وبين الجاهليتين جاء الرسول الحبيب صلّى الله عليه وآله بالإسلام الحكيم والكتاب المنير ، وحارب كلّ الطواغيت وعاداتهم ، وتوعّدهم بالعقاب ونار الجحيم .

وقد كان من عادة حكّام الجاهلية التي حاربها الإسلام بشدّة التقوقع على النفس ، والانهماك في لذّاتها وشهواتها ، والانفصال عن الناس وعن حوائجهم ومشاكلهم باتّخاذ البوّابين والحَجَبة ، ثمّ تطوّروا في ذلك فاتّخذوا لأنفسهم رؤساء الديوان الملكي ، والقصر الجمهوري ، وما أشبه ذلك
من الأسماء الجديدة والعناوين الكاذبة والخداعة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ولم يقرّها إلاّ الشيطان والأهواء ، ممّا هي بعيدة غاية البعد عن ساحة أهل البيت عليهم السّلام ، وعن مثل أبي الفضل العبّاس عليه السّلام .

فأبو الفضل العبّاس عليه السّلام إذن هو الباب المعنوي للإمام الحسين عليه السّلام ، والبوّاب الروحي إلى مدينة المعارف والفضائل ، والمكارم والأخلاق المتجسّدة في الإمام الحسين عليه السّلام .

🔴أبو الفضل في أنّه باب الحوائج : 

بـابَ الـحوائجِ ما دعتهُ مروعةٌ      
فـي  حـاجةٍ إلاّ ويقضي حاجَها

بأبي أبا الفضلِ الذي من فضلهِ ال      
سـامي تـعلّمتِ الورى منهاجَها

زجّ الـثّرى من عزمهِ فوق السما      
حـتّـى عـلت في تربةٍ أبراجَها

قُـطـعتْ  يـداهُ وطالما من كفّه      
ديـمُ  الـسماحةِ أمطرت ثجّاجَها

وقال آخر :

أبـا  الفضلِ إنّي جئتكَ اليوم سائلاً      
لـتيسيرِ  ما أرجو فأنتَ أخو الشبلِ

فـلا  غـرو إنْ أسعفتَ مثلي بائساً    
لأنّك للحاجاتِ تُدعى : (أبو الفضلِ)

🔴الأبواب والوسائل إلى الله : 

إنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر عليهم السّلام وهم : رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السّلام ، والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت عليهم السّلام ، وكذلك بعض خاصّتهم وذويهم هم أبواب الحوائج إلى الله تعالى ، والوسائل إلى رضوانه وجنّته .

وهم الأسماء الحسنى التي أمر الله تعالى أن ندعوه بها ، ونتوجّه عبرها إليه ؛ حيث قال سبحانه : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) . وقال سبحانه : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .

لكن هناك من بينهم مَنْ عُرف واشتهر بكونه باب الحوائج أكثر من البقية ، علماً بأن اُولئك الذين اشتهروا بكونهم أبواب الحوائج هم أربعة أشخاص : واحد منهم من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام والثلاثة الباقون من ذويهم وخاصّتهم .

⬛️أوّل أبواب الحوائج : 

أمّا باب الحوائج من الأئمّة عليهم السّلام فهو الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه السّلام ، فإنّه عُرف لدى المسلمين باب الحوائج ، واشتهر به ؛ وذلك لكثرة ما ظهر منه عليه السّلام ومن مرقده الشريف من كرامات ومعجزات ، ومن كفاية المهمّات والحاجات ، حتّى اعترف بذلك كبار علماء العامّة وأئمتهم ، ناهيك عن عامة الشيعة وخاصّتهم .

🔷فقد قال إمام الشافعيّة محمّد بن إدريس الشافعي على ما في تاريخ بغداد : مرقد الإمام موسى الكاظم عليه السّلام ترياق القلوب ، وشفاء الأمراض الروحية والقلبية .

🔷وقال شيخ الحنابلة الحسن بن إبراهيم أبو علي الخلاّل كما في تاريخ بغداد أيضاً : كلّما عرضت لي حاجة ملحّة وأردت إمضاءها وإنجاحها زرت مقابر قريش ، وذهبت إلى حائط شونيزية ، ووقفت على قبر باب الحوائج موسى بن جعفر عليه السّلام وتوسّلت به إلى الله تعالى في قضاء حاجتي ومرحومة عبرتي .

هذا بعض اعترافات علماء العامّة ، ناهيك عن علماء الخاصة فإنّ كتبهم مليئة بذلك .

⬛️ثاني أبواب الحوائج : 

وأمّا الثلاثة الباقون ممّن عُرفوا بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين عليهم السّلام وخاصّتهم فهم كالتالي :
 
الطفل الرضيع : وهو الجندي الصغير من حيث السنّ ، والكبير من حيث القدر والمعنى ، الذي استشهد على يدي أبيه الإمام الحسين عليه السّلام في يوم عاشوراء ؛ وذلك حين أخذه إلى عسكر يزيد بن معاوية ليسقوه شربة من الماء الذي كانوا قد منعوه على الإمام الحسين عليه السّلام وأصحابه وأهل بيته .

ولكنهم بدل أن يعطفوا على هذا الرضيع ويسقوه الماء مع ما كانوا يرونه كيف يتلظّى من شدّة العطش ، ويلوك لسانه من حرارة الظمأ سقوه بكأس الموت ، ورموه بسهم المنيّة ؛ فذبحوه على يدي أبيه الإمام الحسين عليه السّلام من الوريد إلى الوريد ، ومن الأذن إلى الأذن ، وتركوه يرفرف كالطير المذبوح على يدي أبيه حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة في وجه أبيه بابتسامة ارتسمت على شفتيه ؛ كناية عن رضاه بتقديم نفسه هدية صغيرة ، وفداءً متواضعاً لله تعالى ، فتقبّله الله بأحسن قبوله ، وجعله باباً من أبواب الحوائج إليه حتّى عُرف بباب الحوائج .

⬛️أبواب الحوائج

الثاني ممّن عُرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين عليهم السّلام وخاصّتهم اُمّ البنين عليها السّلام ، وهي اُمّ أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، يعني فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، وقد نالت هذا المقام عند الله تبارك وتعالى بحسن اعتقادها وإيمانها بالله ورسوله ، وشدّة إخلاصها وولائها لأهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله ؛ فقد نذرت نفسها ، ووقفت طاقاتها ـ لمّا تقلّدت وسام الزوجيّة من ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ومن حين دخلت بيته ـ لخدمة ابني رسول الله وريحانتيه الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهما السّلام ، وقدّمتهما على نفسها وعلى أولادها وذويها ، وعلّمت أولادها ودّهما والإخلاص في ولائهم لهما ، وربّتهم على محبّتهما وعلى إيثارهما ، وتقديمهما على أنفسهم والتضحية والفداء من أجلهما بالروح والدم ، والغالي والرخيص ، وأرسلتهم مع إمامهم الحسين عليه السّلام في خروجه من المدينة نحو مكة والعراق ، وأمرتهم بنصرته والذبّ عنه ، وأوصتهم على أن لا يبخلوا بأنفسهم وبذل أرواحهم في حفظه والدفاع عنه .

وكذلك فعلوا حيث إنهم لم يقصّروا في نصرة إمامهم ، ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، وإنّما قدّموها فداءً لإمامهم الحسين عليه السّلام ، ووقاءً له ، ونالوا بذلك شرف الدنيا وثواب الآخرة .

هذا وعندما جاء بشر بن حذلم ينعى الإمام الحسين عليه السّلام إلى أهل المدينة ، خرجت اُمّ البنين فيمَن خرج من الناس ، لكنها لم تسأل بشراً عن أولادها وإنّما سألته عن سيّدها الإمام الحسين عليه السّلام ، وكلّما كان بشر يخبرها بقتل واحدٍ من أولادها كانت تجيبه بكل رباطة جأش وسكون نفس : فداءً لسيّدنا الحسين عليه السّلام .

ثمّ كانت تقول له : أسألك عن سيّدنا الحسين عليه السّلام وتخبرني عن أولادي ؟! حتّى إذا سمعت بنعي الإمام الحسين عليه السّلام بكت واعولت ووقعت مغشياً عليها .

وهنا لمّا رأى الله تعالى كبير إخلاصها ، وعظيم حبّها وولائها ، وصدق قولها وفعلها أثابها على ذلك بعزّ الدنيا وشرف الآخرة ، وجعلها باباً من أبواب الحوائج إليه ، ووسيلة من وسائل رضوانه وغفرانه ، فما رجاها مؤمل حاجة ولا صاحب مشكلة ووسّطها إلى الله تعالى إلاّ وانقلب بقضاء حاجته ، ونجاح مهمّته ، وحلّ مشكلته .

⬛️رابع أبواب الحوائج : 

الثالث والأخير ممّن عرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين عليهم السّلام وخاصّتهم أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ، وهو محطّ بحثنا ومحور حديثنا في هذا الكتاب ، وأنعم به باباً للحوائج ، فقد نال هذا المقام واتّسم بهذا الوسام ثواباً من عند الله تبارك وتعالى على عظيم عنائه وبلائه ، وتقديراً له على كبير مواساته وإيثاره ، حتّى جاء في زيارته المعروفة المنقولة عن الإمام الصادق عليه السّلام : (( أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك ، فنِعم الأخ المواسي . . . إلى أن يقول عليه السّلام : فنِعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ الدافع عن أخيه . . . )) .

نعم ، لقد واسى أبو الفضل العبّاس عليه السّلام أخاه الإمام الحسين عليه السّلام مواساة عظيمة ، وأدى ما كان عليه من حقوق الأخوّة ؛ ممّا استحقّ بها المدح من الإمام الصادق عليه السّلام والثناء عليه بقوله : (( فنِعم الأخ المواسي )) .

هذا وحيث كان كلّ همّ أبي الفضل عليه السّلام هو نصرة أخيه الإمام الحسين عليه السّلام والذبّ عنه ، وحمايته والدفع عنه استحقّ بسببه أيضاً إطراء الإمام الصادق عليه السّلام عليه والاعتزاز به بقوله : (( فنِعم الصابر المجاهد ، المحامي الناصر ، والأخ الدافع عن أخيه )) .

أجل ، لقد كان أبو الفضل العبّاس عليه السّلام من عظيم إيمانه بالله ورسوله وأهل بيته ، وكبير تأدّبه مع أخيه الإمام الحسين عليه السّلام يرى نفسه على ما كان عليه من فضل وعلم وشرف وسؤدد جندياً صفراً تجاه قائد سماوي عظيم ، وعبداً رقّاً أمام مولىً كريم .

كيف لا والإمام الحسين عليه السّلام حجّة الله على خلقه ، والإمام المنصوب من عند الله تبارك وتعالى في بريّته كما نصّ الرسول صلّى الله عليه وآله بذلك عليه ، وأبو الفضل عليه السّلام هو مَنْ يعرف حقّ الحجة ؛ ولذلك كان العبّاس عليه السّلام حتّى في يوم عاشوراء لا يتصرّف من عند نفسه ولا يجتهد برأيه ، بل كان يتعبّد بكل الأوامر الصادرة إليه من مولاه وإمامه ، ويطبّقها تطبيقاً حرفيّاً بلا زيادة ولا نقصان من عنده .

وقد تجلّى ذلك في موقفه عندما جاء إلى الإمام الحسين عليه السّلام يستأذنه في البراز ومقاتلة القوم الظالمين الذين لم يحفظوا حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذرّيته ، ولم يرعوا شخصه الكريم بعد غيابه في أبنائه وأهل بيته ، لكن الإمام الحسين عليه السّلام أبى أن يأذن له وقال : (( إن كان ولا بدّ فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء )) .

🔴أبو الفضل عند طلب أخيه : 

امتثل أبو الفضل عليه السّلام كلام أخيه الإمام الحسين عليه السّلام وانصرف عن مقاتلته الأعداء ، وأقبل نحو الخيام وأخذ منها قربةً خاوية واتّجه بها نحو العلقمي ليأتي بالماء إلى الأطفال .

أقبل العبّاس عليه السّلام حتّى اقتحم الفرات ، ولمّا أحسّ ببرد الماء اغترف منه غرفة بيده وقرّبه إلى فمه ، فقد كان عطشانَ شديد العطش ، ظمآن عظيم الظمأ ، لكنه عندما قرّب الماء من فمه تذكّر عطش أخيه الإمام الحسين عليه السّلام فأبى أن يشرب ؛ مواساةً لأخيه .

وصبّ الماء على الماء وملأ القربة ، وخرج من الفرات متّجهاً نحو مخيّم النساء والأطفال ، وكل همّه إيصال الماء إلى الأطفال العطاشى الذين بقوا بانتظار مجيئه عندما رأوه أخذ القربة واتّجه نحو الفرات .

🔴أبو الفضل ترك البراز من أجل الماء : 

لقد ترك أبو الفضل العبّاس عليه السّلام مقاتلة القوم الذين قتلوا إخوته وأبناء إخوته ، ولم يشف صدره منهم ابتغاء طلب الماء وإيصاله إلى الأطفال العطاشى .

هذا وهو البطل العظيم الذي ورث الشجاعة من أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، والذي لو كان همّه بدل إيصال الماء مقاتلة هؤلاء الظالمين لَما ترك على وجه الأرض منهم أحداً ينجو بنفسه ، ولا شخصاً منهم يسلم على روحه ، لكنه امتثل أمر إمامه واكتفى بطلب الماء عمّا فيه شفاء صدره .

ودخل الماء ولم يذُق منه شيئاً مع شدّة أواره واستعار قلبه ؛ مواساةً لأخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، كلّ ذلك وهو راضٍ بما عنده من الماء ، مؤملاً إيصاله إلى الأطفال الذين تصاعد صراخهم من ألم العطش نحو السماء ، وعلا صراخهم من شدّة الظمأ أجواء كربلاء .

وعندما عرف الأعداء انشغال العبّاس بالماء عن مقاتلتهم انتهزوا الفرصة ، وجنّدوا كلّ طاقاتهم للتخلّص من بأسه ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنّه لو تفرّغ العبّاس لقتالهم لأتى على آخرهم .

وكانت المصيبة الكبرى والرزية العظمى حين كَمَن له أحد الأشقياء وراء نخلة وغدر به بضربة مفاجئة قطع بها يمينه ، ثمّ كَمَن له شقي آخر فقطع يساره ، وكان الخطب الأعظم والبلاء الجلل عندما أُصيبت القربة بسهم وأُريق ماؤها ، عندها تحيّر أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ؛ فلا ماء عنده ليوصله إلى الأطفال العطاشى الذين ينتظرون قدومه بالماء ، ولا يدين عنده حتّى يحارب بهما .

وحيث خابت آمال أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وأيس من تحقيق أمانيه وبلوغ مآربه ، جازاه الله عن ذلك لإخلاصه ، وعوّضه بها لوفائه ؛ بأن جعله باباً للحوائج إليه في الدنيا . فما أمّه أحد بحاجة إلاّ ورجع مقضياً حاجته ، مستجاباً دعاؤه ، ووهبه جناحين في الآخرة يطير بهما في الجنّة حيث يشاء ، وأعطاه مقاماً هناك يغبطه به جميع الشهداء .

🔴أبو الفضل في أنّه السقّاء : 

ورث العبّاس عليه السّلام عمل السقاية من أجداده الطاهرين وآبائه الكرام ، فقد كانت السقاية من مختصّات بني هاشم دون سائر قريش ؛ وذلك لِما كان يتّصف به بنو هاشم من النُبل والشرف ، والسخاء والكرم ، فقد كانوا هم وحدهم الأسخياء فيما يصرفونه من أموال ويبذلونه من طاقات في سبيل تأمين الماء ، وتأمين الطعام على ضيوف الرحمن وحجاج بيت الله الحرام ، وعلى غيرهم من سائر الناس ، وهذا ممّا اشتهر في الناس واعترف به حتّى أعداؤهم ؛ فقد قال معاوية بن أبي سفيان العدو اللدود لبني هاشم : إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه أصله .

وقصي بن كلاب كما في التاريخ كان أوّل مَنْ أسّس سقاية الحاج ، وقام بإطعامهم ، ثمّ ورثها من بعده ابنه عبد مناف ، ثمّ ابنه هاشم ، وعندما أدركت هاشم الوفاة ووافته المنيّة كان ابنه عبد المطلب بن هاشم صغيراً عند أخواله ، فقام بها عمّه المطلب بن عبد مناف .

حتّى إذا كبر عبد المطلب بن هاشم سلّمها عمّه إليه ، فقام بها عبد المطلب أحسن قيام ، ثمّ أتحفه الله بإظهار زمزم له وأكرمه بها ، كما كان أكرم بها جدّه إسماعيل بن إبراهيم عليه السّلام من ذي قبل . ولمّا مات عبد المطلب ورثها منه أبو طالب ، ثمّ سلّمها أبو طالب لأخيه العبّاس بن عبد المطلب ؛ كرامةً أكرمه بها .

ثمّ إنّ العبّاس بن عبد المطلب سلّمها إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم فتح مكة ، لكن رسول الله صلّى الله عليه وآله ردّها إليه ثانية ؛ فقد كان من دأب رسول الله صلّى الله عليه وآله ومن تعاليم دينه الحنيف ردّ كلّ مأثرة لا تتنافى مع الإسلام إلى أصحابها ، وإقرارها فيهم وفي أيديهم ؛ فإنّه صلّى الله عليه وآله لم يخلع أحداً من منصبه ، ولم يدفعه عن حقّه الذي كان له قبل الإسلام إذا لم يكن ممّا ينافي الإسلام ، ورضي به الناس .

🔴أبو الفضل السّقاء منذ الصغر : 

🔳 روي على ما في ثمرات الأعواد : أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام كان ذات يوم جالساً وحوله ابنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وريحانتاه الإمامان الهمامان الحسن والحسين عليهما السّلام ، وإلى جنبهم أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ، فعطش الإمام الحسين عليه السّلام ، فعرف ذلك أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ، فقام وهو إذ [ ذاك ] صبي صغير وأقبل إلى الدار وقال لأُمّه اُمّ البنين : يا اُمّاه ، إنّ سيّدي ومولاي الإمام الحسين عليه السّلام عطشان , فهل لي إلى إيصال شربة من الماء العذب إليه من سبيل ؟

فقالت له اُمّه اُمّ البنين بشغف وشفقة : نعم يا ولدي . ثمّ قامت مسرعة وأخذت معها قدحاً وملأته بالماء العذب ووضعته على رأس ولدها العبّاس ، وقالت له وبكلّ رأفة وحنان : اذهب به إلى سيّدك ومولاك الإمام الحسين عليه السّلام .

فأقبل العبّاس عليه السّلام بالماء نحو الإمام الحسين عليه السّلام والماء يتصبّب من القدح على كتفيه ، فوقع عليه نظر أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ورآه قد حمل قدح الماء على رأسه والماء يتصبّب من القدح على كتفيه ، تذكّر وقعة كربلاء فرقّ له ، وقال وهو يخاطبه ودموعه تتقاطر على وجنتيه : (( ولدي عبّاس ، أنت ساقي عطاشى كربلاء )) ؛ فسمّي من ذلك ( السّقاء ) .

🔴أبو الفضل والمواساة "بطولة معنوية" : 

أضف إلى كلّ ذلك بطولته الروحية الاُخرى التي هي أعظم كلّ البطولات الروحية ، وأكبر كلّ القدرات المعنوية التي شهدها العلقمي من أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، ألا وهي بطولة المواساة وقدرة التغلّب على النفس ، وزمّ جماحها إلى الماء وتلهّفها إلى شربه .

فإنّ إنساناً مثل أبي الفضل العبّاس عليه السّلام قد كابد شحّ الماء وقلّته ، وأعطى حصّته من الماء لأطفال أخيه العطاشى ، وعانى من ثقل الحديد ومطاردة الأعداء ، وعانى حرّ الشمس وحرّ الحرب حتّى أصبح فؤاده كالجمر , وقلبه كالبركان ، قد دخل العلقمي وأحسّ ببرده ، فكان من الطبيعي له وبدافع حسّ العطش الكبير والظمأ الشديد ، وعبر حركة طبيعية أن تمتدّ يداه إلى الماء وتغترف منه غرفة لتقرّبه من فمه ، حتّى يُطفئ بها فورة العطش ، ويُخمد عبرها أوار الظمأ ، وكانت هذه الغَرفة من الماء وتعقيبها بثانية وثالثة واستساغتها.

ولكن حاشا لمثل أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ربيب أمير المؤمنين عليه السّلام والمترعرع في حجر اُمّ البنين عليها السّلام أن ينزل إلى ما تتطلّبه طبيعته الجسدية ، ويسف إلى مستوى غرائزه الجسمية ، وقد تعلّم من أبيه واُمّه كيف يحلّق في سماء الفضيلة ويعلو في أجواء المعنويات الروحية ، وكيف يكبح جماح نفسه ويغلب فورة هواه ؛ ولذلك عندما قرّب الماء من فمه وتذكّر عطش أخيه الإمام الحسين عليه السّلام صبّ الماء على الماء ، وملأ القربة ماءً وخرج من العلقمي متّجهاً نحو الخيام ، وهو يخاطب نفسه ويقول :

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني      
وبـعدهُ لا كنتِ أنْ تـكوني

هـذا  الـحسينُ واردُ المنونِ      
وتـشـربـينَ باردَ المعينِ

تاللهِ مـا هـذا فـعـالُ ديني      
 ولا فـعـالُ صـادق اليقينِ

🔴أبو الفضل في أنّه كبش الكتيبة : 

عـبّاسُ  كبش كتيبتي وكنانتي      
وسريّ قومي بل أعزُّ حصوني

🔷وقال الأُزري في رثائه للعبّاس عليه السّلام :

اليومُ بانَ عن الكتائبِ كبشُها      
اليومُ  فلَّ عن البنودِ نظامُها

الكبش يطلق على البطل الشجاع الذي يعجز عن مقاومته الأبطال والشجعان ، علماً أنّ الشجاعة هي قوّة القلب ، ورباطة الجأش ، فقد روي : أنّ كسرى أنوشيروان سأل الحكيم (بوذر جمهر) عن الشجاعة ما هي ، فأجاب : إنّها قوّة القلب . فقال له كسرى : لم لا تقول إنّها قوّة اليد ؟ فأجاب : إنّ قوّة اليد فرع على قوّة القلب .

كما يطلق الكبش أيضاً على مقدّم الجيش أميراً كان وملكاً ، ويطلق أيضاً على سيّد القوم وقائدهم ، والكتيبة يعني الجيش .

🔷وفي العرف : إنّ الكبش لا يطلق في الحرب على أحد إلاّ على مَنْ تكاملت فيه معاني البطولة ، واجتمعت فيه خصال الرجولة والفروسيّة ؛ ولذلك لم يطلقوا هذا اللّقب في الإسلام على أحد قبل أبي الفضل العبّاس عليه السّلام إلاّ على الأشتر مالك بن حارث النخعي صاحب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، حيث كانوا يطلقون عليه لقب كبش العراق , وقد عُرف به .

⬛️كبش الكتيبة وسام عظيم : 

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام هو الذي فاز بهذا اللقب الكبير كبش الكتيبة  من بين أصحاب الإمام الحسين عليه السّلام ، وأهل بيته الذين استشهدوا معه في يوم عاشوراء ، ولقد وسمه به أخوه الإمام الحسين عليه السّلام ، ومنحه إيّاه تقديراً على شجاعته وبطولته ، وتبجيلاً إيّاه على شهامته ومراجله .

فلقد كان ظهراً للإمام الحسين عليه السّلام على أعدائه ، وأمناً لنسائه وأطفاله ، ورعباً في قلوب مناوئيه والمجتمعين على قتاله ، فإنّ جيش ابن سعد كانوا يهابونه مهابة الكلب الأجرب من الأسد الغاضب ، ويخافون منه مخالفة الثعلب الجبان من الليث الغضبان .

وما قصة عرض الأمان عليه الذي جاء به الشمر من عند ابن زياد ، ولعبة إغرائه بالمال ، وعرض إمارة جيش ابن زياد عليه إلاّ خوفاً من سيفه وصارمه ، وذعراً من صولاته وسطواته ، وتخلّصاً من شدّته وبأسه . فلقد كانوا عرفوه من صفّين وهابوه منها ؛ لِما أبدى فيها من شجاعة وشهامة ، وصلابة وبسالة فكانوا لا ينامون ولا يهدؤون خوفاً من قوّة ساعده وفتك صمصامه ، حتّى قيل فيه :

قسماً  بصارمهِ الصقيلِ وإنّني      
في غيرِ صاعقةِ السما لا أقسمُ

لولا القضا لمحا الوجودَ بسيفهِ      
واللهُ يـقضي ما يشاءُ ويحكمُ

🔴أبو الفضل صاحب العصمة الصغرى

العصمة في كلام العرب : المنع . وعِصمة الله عبده : أن يعصمه ويمنعه ممّا يوبقه ويهلكه . وعصمه يعصمه عصماً : منعه ووقاه . وفي التنزيل العزيز : ( لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ ) , أي لا مانع . واعتصم فلان بالله إذا امتنع به . والعصمة : الحفظ ، يُقال : عصمته فانعصم ، واعتصمت بالله : إذا امتنعت بلطفه من المعصية .

إذاً فالعصمة من حيث اللغة هي : الحفظ والوقاية ، والصون والمنع ، ومن حيث الاصطلاح هي : قوّة معنويّة ، وملكة روحيّة يهبها الله لمَنْ يشاء من عباده ، يحفظه بها من العيوب والذنوب ، ومن الخطأ والزلل ، ويقيه عبرها من السهو والنسيان ، ومن العثرات والهفوات ، لكن لا على وجه يسلب منه الاختيار ، بل على وجه يبقى له حقّ الاختيار محفوظاً ؛ وذلك لأنّ الاختيار هو من لوازم التكليف ، فإذا سلب منه الاختيار كان معناه سلب التكليف عنه ، والحال أنّ المعصومين عليهم السلام مكلّفون بالتكاليف الشرعية كسائر الناس ، فتكليفهم دليل على أنّ العصمة التي جعلها الله تعالى فيهم غير سالبة لاختيارهم .

إذا عرفنا معنى العصمة ، فلا بدّ لنا أن نعرف بعدها أنّ العصمة على قسمين : ذاتية واجبة ، وعرضية مكتسبة .

🔴العصمة الكبرى وأصحابها : 

أمّا القسم الأوّل من العصمة ، وهي العصمة الذاتيّة الواجبة : فهي العصمة الكبرى ، التي جعلها الله تعالى في ذات الأنبياء وأوصيائهم ، وأوجبها لهم ، وجلبها عليهم ، وخصّهم بها ، حتّى قال تعالى ، وهو أصدق القائلين ، وأعدل المخبرين في محكم كتابه ومبرم خطابه ، وهو يخبر عن نبيّه الكريم ورسوله المصطفى ، خاتم أنبيائه وسيّد رسله محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله ، وعن ابنة نبيّه الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليه السّلام ، وعن أوصياء نبيّه الطيّبين الطاهرين ؛ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام والأئمّة الأحد عشر من ذريّته ، بدءاً بالإمام المجتبى ، وختماً بالإمام المهدي عليه السّلام ، ويصفهم بالعصمة في هذه الآية الكريمة من سورة الأحزاب القائلة : ( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

وإنّما جعل الله تعالى العصمة في ذات أنبيائه وأوصيائه ، وجبلهم عليها ، وأوجبها لهم ، وزيّنهم بها ، وخصّ من بينهم المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام بأعلى درجاتها وأرقى مراقيها ؛ لأنّ الله تعالى خوّل نبيّه الكريم وأهل بيته الطاهرين حقّه وشريعته ، وفوّض إليهم ولايته ودينه ، وجعلهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأمر الناس بطاعتهم والانقياد لهم .

فإذا لم يكونوا مع ذلك كلّه معصومين من الزلل والخطل ، والسهو والنسيان ، كان معناه إيقاع الناس في الخطأ والاشتباه ، وسوقهم إلى الضلال والفساد ، وحاشا لله أن يفعل ذلك ؛ فإنّ الله تعالى حكيم ، ولا يفعل الحكيم ما يخالف الحكمة .

هذا مضافاً إلى أنّ الله تبارك وتعالى جعل مهمّة النبيّ صلّى الله عليه وآله أداء الرسالة وتبليغها ، وجعل مهمّة أوصيائه والأئمّة عليهم السلام من بعده حفظ تلك الرسالة وحراستها ، فإذا لم يسلّح الله تعالى نبيّه الكريم ، وكذلك أوصيائه والأئمّة الطاهرين من بعده بالعصمة لم يكن أحد منهم مصوناً من الاشتباه والنسيان ، والزيادة والنقصان ، وإذا احتمل في حقّهم ذلك لعدم عصمتهم انعدمت الثقة بهم وممّا جاؤوا به ، وسلب الاطمينان إليهم وبما قالوا ، وبذلك تبطل الشرايع والأديان ، وتنسخ الإمامة والوصاية والنبوّات .

ونسخ الإمامة والنبوّات ، وبطلان الشرايع والأديان خلاف حكمة الله تعالى ، ونقضاً لغرض الله الحكيم ، فلا بدّ إذاً من كون النبيّ صلّى الله عليه وآله وأوصيائه ، والأئمّة من أهل بيته عليهم السلام من بعده معصومين ، وفي أرقى مراقي العصمة ، وأرفع درجاتها وأعلى قممها .

🔴العصمة الصغرى وأربابها : 

وأمّا القسم الثاني من العصمة ، وهي العصمة العرضية المكتسبة : فهي العصمة التي نالها أولياء الله المخلصون بجدهم وجهدهم ، وحصل عليها عباد الله الصالحون بتعبهم وعنائهم ، وهم اُولئك الذين عرفوا الله تعالى حقّ معرفته ، وأيقنوا به عين اليقين ، فأحسّوه بكلّ وجودهم وكيانهم ، ولمسوه بكلّ قلوبهم وأرواحهم ، فآمنوا به أخلص الإيمان ، وأذعنوا له غاية الإذعان ، وسلموا إليه منتهى التسليم ، وتوكّلوا عليه أصدق التوكّل .

إنّهم علموا بأنّه تعالى مطّلع عليهم فاستحيوا من أن يعصوه ، وأيقنوا بأنّه قادر عليهم فهابوا من أن يخالفوه ، إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى سيحاسبهم على ما عملوه فأحجموا إلاّ عن البرّ والإحسان ، وعرفوا بأنّه سيؤاخذهم على ما قالوه فسكتوا إلاّ عن المعروف والخير ، وحسبوا بأنّه سيجازيهم على كلّ صغيرة وكبيرة فعملوا بما أمر الله به حتّى المستحبّات ، فكيف بالواجبات والفرائض ؟ واجتنبوا عمّا نهى الله عنه حتّى المكروهات ، فكيف بالمعاصي والمحرّمات ؟

إنّهم لم يفكّروا في شيء إلاّ في عظمة الله وكبريائه ، وعزّته وقدرته ، وعلمه حكمته ، وحلمه وغضبه ، ورأفته ورحمته ، وآثاره وصنعه ، وآلائه ونعمه ، فرأوه أهلاً للعبادة فعبدوه ، وأهلاً للشكر فشكروه ، وأهلاً للتعظيم والتقديس فعظّموه وقدّسوه .

إنّهم عرفوا أنّ الدنيا والهوى ، والنفس والشيطان ، عدوّاً لهم فاتّخذوهم عدوّاً ، فرغبوا عن الدنيا ، وخالفوا أهواءهم ، وروّضوا أنفسهم على التقوى ، وعصوا الشيطان ، وأطاعوا الرحمن ، ونفعوا عباد الله ، وخدموا خلق الله ، وأرضوا بذلك الرحمن ، وأرغموا أنف الشيطان .

إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى طبيبهم فاتّبعوا وصفته ، وحكيمهم فانتهجوا حكمته ، وربّهم وخالقهم فعملوا برضاه واجتنبوا سخطه وغضبه ، ورازقهم وهاديهم فأحبّوه وأخلصوا له في حبّه ، وأحبّوا مَنْ أمر الله تعالى بحبّهم ومودّتهم ، وأبغضوا مَنْ أوجب الله تعالى بغضهم وعداوتهم ، وأطاعوا مَنْ فرض الله تعالى طاعتهم ، وخالفوا مَنْ أمر الله تعالى بمخالفتهم ، ونصروا الله ودينه ، وكانوا مع رسوله وأهل بيته ، فقدّموهم على أنفسهم ، وبذلوا أرواحهم وقاءً لهم ، واستشهدوا بين أيديهم .

🔴أبو الفضل ووسام العصمة : 

وليس هذه المواصفات التي ذكرناها كلّها إلاّ معنى العصمة ، وقد نالها أبو الفضل العبّاس بجدارة وكفاءة ، واكتسبها لنفسه بهمّة واجتهاد ، واتّصف بها بكلّ قوّة وصلابة .

أليس هو الذي أطاع الله ، وكان مع الصادقين مع ريحانة رسول الله ، وسبطه الإمام الحسين عليه السّلام ، وعصى الهوى والشيطان لمّا عرض عليه الإمارة والأمان ، فلعن أمانه وخداعه ، وفخه ومكره ؟
وأليس هو الذي رغب عن الدنيا ، وروّض نفسه على التقوى ، وواسى أخاه العطشان ، فلم يشرب من الماء وهو على الماء ، مع عظيم عطشه وشدّة ظمئه ، فنال بذلك وسام ( المواسي ) كما جاء في زيارته عليه السّلام : (( فنعم الأخ المواسي )) ؟

وأليس هو الذي قدّم دمه وبذل نفسه في نصرة الله وكتابه ، وحماية رسول الله وذريّته ، وطاعة إمامه ووليّه ، ومضى شهيداً محتسباً ، حميداً طيّباً حتّى قال في حقّه الإمام الصادق عليه السّلام , كما في الزيارة المأثورة عنه ، وهو يلعن قاتليه : (( فلعن الله اُمّة قتلتك ، ولعن الله اُمّة ظلمتك ، ولعن الله اُمّة استحلّت منك المحارم ، وانتهكت حرمة الإسلام )) ؟

وهل يُنتهك بقتل كلّ أحد حرمة الإسلام ؟ طبعاً لا ، إلاّ مَنْ نال وسام العصمة بكفاءة ، وحصل عليها بجدّ وجهد ، كأبي الفضل العبّاس عليه السّلام فإنّه بقتله ، وهكذا بقتل الإمام المعصوم الذي جعل الله العصمة في ذاته ، وأوجبها له في جبلته ، كالإمام الحسين عليه السّلام يتمّ انتهاك حرمة الإسلام .

فهذه الفقرة من الزيارة إذن تشير إشارة ضمنيّة واضحة إلى أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام هو من أصحاب العصمة الصغرى ، وأنّه قد نال بجدارة العصمة من القسم الثاني ، فهنيئاً لأبي الفضل . 

🔴أبو الفضل وسام العصمة الصغرى .

ولقد أجاد الشيخ محمّد رضا الأُزري ، وهو يصف عصمة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وشجاعته ومواساته في قصيدته ، ويقول :

يـومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهُدى      
والـشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها

والبيضُ فوقَ البيضِ تحسبُ وقعها       
زجـلَالرعودِ إذا اكفهرّ غمامُها

فـحـمـى عـرينتهُ ودمدمَ دونها      
ويذبَّ من دونِ الشّرى ضرغامُها

مــن  بـاسلٍ يلقى الكتيبةَ باسماً    
والـشوسُ يـرشحُ بالمنيّةِ هامُها

وأشـمُ لا يـحـتـلّ دارَ هضيمةٍ      
و  يـسـتقلّ عن النجومِ رغامُها

أو  لـم تـكـن تدري قريشٌ أنّه      
طـلاّعُ كـلّ ثـنـيّـةٍ مقدامُها

بـطلٌ  أطـلَّ على العراقِ مجلّياً      
فـاعصوصبتْ فرقاً تمورُ شئامُها

وشـأى الـكرامَ فلا ترى من اُمّةٍ      
لـلـفخرِ إلاّ ابن الوصيِّ إمامُها

هـو  ذاكَ مـوئلها يرى وزعيمُها      
لــو جـلَّ حادثُها ولدَّ خصامُها

وأشـدّهـا  بـأساً وأرجحها حِجاً    
  لـو نـاصَ موكبُها وزاغَ قوامُها

مـن  مُـقدمٍ ضربَ الجبالَ بمثلِها      
مــن عـزمهِ فتزلزلتْ أعلامُها

ولـكـم  لـهُ من غضبةٍ مُضريّةٍ      
قـد  كادَ يلحقُ بالسحابِ ضرامُها

ثـمّ انـبـرى نحو الفراتِ ودونَهُ      
حـلـبـاتُ عاديةٍ يصلُّ لجامُها

فـهـنالِكمْ  مـلكَ الشريعةَ واتّكى      
مـن فـوقِ قـائمِ سيفهِ قمقامُها

فـأبـتْ نـقـيـبتُهُ الزكيّةُ ريَّها      
وحشى ابنِ فاطمةٍ يشبُّ ضرامُها

🔴أبو الفضل عالماً فاضلاً وفقيهاً كاملاً. : 

لقد ورد في الخبر : (( إنّ العبّاس بن علي (عليه السّلام) زق العلم زقاً )) . واشتهر أيضاً قولهم : (( إنّه كان من فقهاء أولاد الأئمّة عليهم السلام )) . وهذا يدلّ على أنّ من خصائص أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وامتيازه على معاصريه من سائر بني هاشم وغيرهم هو تفوّقه في العلم والمعرفة ، والفضل والكمال ؛ وذلك لملازمته عليه السّلام لثلاثة من الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، وتتلمذه على يدهم ، وطلب العلم لديهم .

وكان أوّل هؤلاء المعصومين الذين لازمهم أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ، وتتلمذ على يدهم هو أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وهو الذي روي عنه أنّه قال : (( يُرخى الصبي سبعاً ، ويؤدّب سبعاً ، ويستخدم سبعاً ، وينتهي طوله في ثلاث وعشرين ، وعقله في خمس وثلاثين ، وما كان بعد ذلك فبالتجارب )) .

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل ذلك : (( الولد سيّد سبع سنين ، وعبد سبع سنين ، ووزير سبع سنين ، فإن رضيت أخلاقه لأحدى وعشرين وإلاّ فاضرب على جنبه ؛ فقد أعذرت إلى الله تعالى )) .

وفسّر ذلك حفيده الإمام الصادق عليه السّلام المروي عنه قوله : (( دع ابنك يلعب سبع سنين ، ويؤدّب سبعاً ، وألزمه سبع سنين ، فإن فلح وإلاّ فلا خير فيه )) .

وفي رواية اُخرى أنّه عليه السّلام قال : (( احمل صبيّك حتّى يأتي عليه ست سنين ، ثمّ أدّبه في الكتاب ست سنين ، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين فأدّبه بأدبك ، فإن قبل وصلح وإلاّ فخلّ سبيله )) .

وجاء في الخبر : (( العلم في ـ وفي نسخة : من ـ الصغر كالنقش في الحجر )) . بخلاف العلم في الكبر فإنّه ليس كذلك .

فالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام نظراً إلى أنّه هو إمام علم النفس والاجتماع ، والتربية والتعليم ، والأخلاق والآداب ، وقد أدرك عنده نجله أبو الفضل العبّاس عليه السّلام أربعة عشر عاماً من عمره ، فعلى فرض أنّه تركه يلعب سبعاً فقد أدّبه سبعاً ، وعلّمه من علومه ما يجب أن يعلّمه فيها ، وثقّفه بثقافته ما يلزم تثقيفه بها ، وذلك في هذه السنوات السبع المهمّة من عمر أبي الفضل العبّاس عليه السّلام .

🔴أبو الفضل السّباق في ميدان العمل والتطبيق: 

وعليه ، فأبو الفضل العبّاس عليه السّلام كان من حسن تعلّمه ، وجميل تفقّهه ، وفضل تأدّبه ، ومن إلمامه بالروايات الكريمة ، ومعرفته بالأحاديث الشريفة ، هو السبّاق في ميدان العمل بما تعلّمه ، والمقدام في ساحة التطبيق الخارجي لما تفقّه فيه .

🔳أبو الفضل ومثال تطبيقه العملي :

وأدلّ دليل على ذلك : كونه عليه السّلام مع الصادقين ، الذين أمر الله تعالى بالكون معهم ، فكان عليه السّلام ما عرفت مع أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وبقاؤه معه حتّى آخر لحظة من حياته ، متحدّياً كلّ الوعود والمغريات من عرض الأمان ، وتقديم الإمارات والمناصب وغير ذلك ، والوقوف إلى جانبه حتّى آخر قطرة من دمه ، معلناً عن نصرته له ، والحماية عنه حتّى أريق دمه في سبيل الله ، ونصرة دينه وكتابه ، وحماية [ ابن ] رسوله صلّى الله عليه وآله وإمامه عليه السّلام ، وسقط شهيداً مظلوماً بين يدي أخيه وإمامه ، الإمام الحسين عليه السّلام ، ونال بذلك شرف الدنيا ، وفاز بسعادة الآخرة والجنّة .

هذا مع أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام كان يحمل بين جوانبه كلّ مؤهّلات الرئاسة ، وكان يضمّ بين جوانحه جميع معدّات الزعامّة والقيادة ، من جمال وكمال ، وعلم وحلم ، وحسب ونسب ، وعزّ وشرف ، وفصاحة وبلاغة ، وجود وكرم ، وشجاعة وشهامة ، وبالتالي كان فيه كلّ مستلزمات القائد الحكيم ، والزعيم المجرّب ، والرئيس المحبوب المقدام .

فكان باستطاعته أن يطرح نفسه رأساً ، ويدعوا الناس إلى ذلك ، ويكون رئيساً وزعيماً في قومه ، كما فعل مَنْ هو أقلّ منه بكثير ، بل مَنْ هو بالنسبة إليه كالقطرة مقابل البحر ، والرشفة أمام اليمّ ، والذرّة لدى المجرّة ، والهباءة عند الكون العظيم ، أعني به عبد الله بن الزبير ، الذي نصب نفسه علماً ، ودعا الناس إلى نفسه ، وكان من أمره ما كان .

نعم ، كان باستطاعة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام لولا التزامه بأن يعمل بما علمه ، ويطبق ما عرفه تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً أن يطرح نفسه رأساً ، ويدعو الناس إلى نفسه كما فعل ابن الزبير ، وكان حينئذ نسبة موفقيّته في ذلك بالنسبة إلى موفقيّة ابن الزبير أكثر بكثير ، وهو واضح لا غبار عليه . ولكنّه عليه السّلام لم يفعل ذلك ، ولم ينصب نفسه علماً للناس ، ولم يدعُ الناس إلى نفسه .

كما إنّه لم يتّخذ موقف الحياد من إمامه الإمام الحسين عليه السّلام ، ولم ينعزل عن الساحة وعن مجتمعه ، ولم يترك الأمر على عواهنه دون أن يقوم بما يجب عليه ، عليه السّلام تجاه ربّه ودينه ، وقبال كتاب الله ورسوله عليه السّلام ، وإزاء أخيه وإمامه الإمام الحسين عليه السّلام .

بل إنّه عليه السّلام حدّد موقفه في الحياة حسب ما أملاه عليه دينه وعقيدته ، وما أوجبه عليه علمه ومعرفته ، وقام بما يجب عليه بكلّ إخلاص وتسليم ، وأدّى ما فرض عليه بأمانة ونصيحة ، فعاضد أخاه الإمام الحسين عليه السّلام في كلّ موقف ومشهد ، ودافع عنه بكلّ قوّة وقدرة ، وكان معه ناصراً ومعيناً ، وله وليّاً وحميماً ، وعليه حدباً وحانياً ، وبه شفيقاً ورفيقاً حتّى نال وسام الشهادة بين يديه عليه السّلام ، وفاز بسعادة الدنيا والآخرة .

وبذلك علّمنا عليه السّلام كيف نكون مع الصادقين ، وكيف نضمّ أصواتنا إلى أصواتهم ، وهممنا إلى هممهم حتّى ينتصر الحقّ ويندحر الباطل ، ويعلو الإسلام والمذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت عليهم السّلام ، على ما سواه ، ويغطّي ربوع الأرض بظِلاله ، ويسعد الناس بأحكامه وتعاليمه .

علماً بأنّ الصادقين على ما في مجمع البيان ، عن جابر الأنصاري ، عن أبي جعفر عليه السّلام هم آل محمّد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ؛ فآل محمّد صلّى الله عليه وآله ، والذين عيّنهم آل محمّد في حياتهم ومن بعدهم مرجعاً يرجع الناس إليهم في دينهم ودنياهم ، وهم اليوم الفقهاء والمراجع .

هم الذين أمرنا الله تعالى بأن نكون معهم ، ولا نتفرّق عنهم ، حقّ يتحقّق ، الإسلام يعلو ولا يُعلا عليه ؛ وذلك لأنّ يد الله مع الجماعة ، وأنّ نصر الله معقود على نواصي الذين أخلصوا لله ، واتّحدوا في الله ، ونصحوا لعباد الله ، لا على نواصي الذين تفرّقوا وتشتّتوا ، وتخاذلوا وتحاقدوا ، ونصبوا أنفسهم علماً ورأساً ، ودعوا الناس إلى أنفسهم ، وصاروا بذلك رؤوساً كمزرعة البصل ، كلّها رؤوس يقتلعها الزرّاع في الدنيا بسهولة ، ويدّخرها الملائكة في الآخرة لشجرة الزقوم التي طلعها كأنّه رؤوس الشياطين بمرونة ؛ فإنّهم بذلك لم ينالوا ما أمّلوا ، ولم يبلغوا ما راموا ، وسوف يحاسبهم التاريخ في المستقبل حساباً عسيراً مخزياً ، ويعاقبهم الله في القيامة عقاباً شديداً مهيناً .

🔴أبو الفضل والأوسمة على عمله بعلمه : 

أجل ، لقد امتاز أبو الفضل العبّاس عليه السّلام من بين أقرانه وأصحابه في مجال العمل بعلمه ، وميدان التطبيق الحرفي لمعارفه بالسبق عليهم جميعاً ، والتقدم من بينهم قاطبة حتّى فاز عند الله بأعلى الدرجات ، وحصل من رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام ، والأئمّة من أهل بيته عليهم السّلام على أرفع الأوسمة ، وأعظم النياشين .

ونحن نشير إلى ما تيسّر لنا منها باختصار إن شاء الله تعالى حتّى يكون نبراساً لنا نستضيء بنوره ، وقدوة لنا نتعلّم من هديه ؛ كيف نكون مثله عليه السّلام عاملين بعلمنا ، مطبّقين لمعتقداتنا ، محقّقين في الخارج لمعارفنا وثقافاتنا .

علماً بأنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام لم يكن نبيّاً ولا وصيّاً ، ومع ذلك نراه قد جاز على أرقى مدارج العلم المقرون بالعمل ، عملاً عينيّاً خارجيّاً لِما علِمه ، وفاز على أعلى مراقي المعرفة المحفوفة بالتطبيق العملي ، تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً لِما اعتقده وعرفه ، ونال سبب ذلك المقام الرفيع عند الله تبارك وتعالى ، والمنزلة السامية لدى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وابنته الصدّيقة فاطمة الزهراء  عليها السلام ، والأئمّة من أهل بيته الطاهرين عليهم السّلام .

وعليه فيكون أبو الفضل العبّاس عليه السّلام بذلك حجّة بالغة علينا ، لا نستطيع أن نقول بعدها كيف لنا الحصول على المقام الرفيع ، والمنزلة السامية عند الله ورسوله صلّى الله عليه وآله مع إنّا لسنا بأنبياء ولا بأوصياء أنبياء ؟

فإنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام مع أنّه لم يكن نبيّنا ولا بوصيّ نبيّ قد نال ما ناله من العظمة والزلفى عند الله ورسوله ، وعند أهل بيت رسوله صلّى الله عليه وآله بسبب عمله بعلمه عملاً دقيقاً من غير زيادة ولا نقصان ، ولا اجتهاد منه مقابل النصّ ، ولا تحوير وتحريف للواقعيّات العقائديّة ، وتمويه وتشويه للحقائق العلميّة ، كما فعل ذلك عمر بن سعد وأمثاله حيث حرّف كلّ الحقائق ، وشكّك فيها ؛ للوصول إلى ولاية الري ، ولم يصل إليها ، ولم يتهنّأ بها ؛ بل عمل بها أبو الفضل العبّاس عليه السّلام بكلّ أمانة وصداقة ، وإذعان وتسليم .

🔴أبو الفضل الوجيه عند الله ورسوله والأئمّة الطاهرين : 

لقد استطاع أبو الفضل العبّاس عليه السّلام عبر إيمانه الراسخ ، وعقيدته الصلبة ، ونفسيّته الطيّبة ، وأخلاقه الكريمة ، وبتطبيق معارفه الربّانيّة في الخارج تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً ، وتحقيق ثقافته الإسلاميّة في حياته العلميّة تحقيقاً وافياً واضحاً ، أن يحلّق في مقام القرب والوجاهة إلى الله تعالى ، ويعلو في درجات الفضل والجلال عند رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام والأئمة الطاهرين من أهل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وذلك بما لم يستطع أحد ليس هو بنبيّ ولا بوصيّ نبيّ أن يصل إلى ما وصل إليه أبو الفضل العبّاس عليه السّلام من الوجاهة عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله الحبيب وابنته الوفيّة وأهل بيته الطاهرين . ونذكر شيئاً منها ، 

🔴أبو الفضل ومنزلته عند الله عزوجل : 

قال الله تعالى : وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ واخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِن لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ  فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً .

ومن أجلى مصاديق هذه الآيات الكريمة هو سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله ، الشهيد بكربلاء الإمام الحسين عليه السّلام وأخوه أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ؛ فلقد كتب الله تعالى على سبط رسوله الحبيب ، ووصيّ وصيّه الكريم الإمام الحسين عليه السّلام الهجرة والقتال ، والخروج على يزيد عدوّ الله وعدوّ رسوله ، وأبلغ ما كتبه عليه عبر أمين وحيه جبرائيل ، وبواسطة حبيبه الرسول المصطفى صلّى الله عليه وآله إليه ، فامتثل الإمام الحسين عليه السّلام أمر ربّه وخرج ، فلم يخرج معه ولم يقاتل بين يديه عليه السّلام إلاّ القليل ، وكان في مقدّمة هذا القليل أبو الفضل العبّاس عليه السّلام .

وحيث إنّه عليه السّلام فعل ما وُعِظ به ، وعمل بما علِم ، كان خيراً له وأشدّ تثبيتاً ، ونال من الله أجراً عظيماً ، وهُدي صراطاً مستقيماً ، وحُشر كما في زيارته عليه السّلام أيضاً المأثورة عن الإمام الصادق عليه السّلام على أثر طاعته لله ولرسوله ولإمامه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدّيقين ، والشهداء والصالحين ، وحسن اُولئك رفيقاً ، فصدق في حقّه عليه السّلام، وتحقّق عليه قوله تعالى : ( ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً ) .

فطوبى لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام مقامه الرفيع عند الله تبارك وتعالى ، وهنيئاً له على منزلته السامية لديه !

🔴أبو الفضل ومنزلته عند النبي الاعظم : 

لا شكّ في أنّ جبرائيل عليه السّلام لمّا أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله من الله تبارك وتعالى بشهادة سبطه الأصغر ، وريحانته في الدنيا ، الإمام الحسين عليه السّلام  وما يجري عليه ، أخبره أيضاً عن شهادة مَنْ يستشهد معه ، وخاصّة عن شهادة أخيه وصنوه ، وحاميه والمدافع عنه ، والذي أبلى في نصرته بلاءً حسناً ، وفداه بروحه ودمه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام .

ولا شكّ في أنّ اطّلاع رسول الله صلّى الله عليه وآله عن مواساة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام أخاه وإمامه الإمام الحسين عليه السّلام ، وتعرّفه على إيثاره له ، علماً بأنّ هذه المواساة ، وهذا الإيثار منه عليه السّلام هو نتيجة عمله بعلمه ، وتطبيقه لمعرفته ، ومعتقده بإمامه عليه السّلام ؛ فإنّ ذلك جعل لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله مكانة مرموقة ، ومنزلة محمودة ، ممّا دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله  إلى التصريح بفضل أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وكرامته ، والتلويح بمقامه ومنزلته عند الله وعند رسوله صلّى الله عليه وآله ، كما صرح بذلك في حقّ سبطه وريحانته الإمام الحسين عليه السّلام ، ومن قبله في حقّ سبطه الأكبر وريحانته المجتبى الإمام الحسن عليه السّلام .

ولكن لم يصلنا شيء من تصريحاته صلّى الله عليه وآله في حقّ أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ـ وللأسف ـ كما وصلنا ـ والحمد لله ـ بعض تصريحاته صلّى الله عليه وآله في حقّ الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهما السّلام .

ويدلّ على ذلك ما جاء في كتاب الخصال للشيخ الصدوق ، باب الاثنين ، الحديث الواحد بعد المئة ، فإنّه  رحمه الله بعد أن يروي فيه عن الإمام زين العابدين عليه السّلام في حقّ عمّه العبّاس بن علي عليه السّلام الرواية المعروفة ، ويذكر فيها إنّ الله أبدله مكان يديه المقطوعتين جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب عليه السّلام، يقول ما نصّه : والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة . . . ثمّ يضيف : وقد أخرجته بتمامه مع ما رويته في فضائل العبّاس بن علي عليه السّلام في كتاب ( مقتل الحسين بن علي عليه السّلام .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند أمير المؤمنين (ستقر عيني بك ) : 

🔳 جاء في كتاب معالي السبطين وغيره أيضاً : أنّه لمّا كانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة ، أي في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، وهي الليلة الأخيرة من عمر الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، حيث أخذ الإمام يودّع فيها أهل بيته وخاصّته ، ويوصيهم بوصاياه ومواعظه ، وفيها التفت إلى ولده أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وضمّه إلى صدره ، وقال له : (( ولدي عبّاس ، وستقرّ عيني بك يوم القيامة .

ولدي أبا الفضل ، إذا كان يوم عاشوراء , ودخلت الماء وملكت المشرعة ، فإيّاك أن تشرب الماء وأن تذوق منه قطرة وأخوك الحسين عليه السّلام عطشان .

والشاهد من هذا الخبر هو قول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لولده أبي الفضل العبّاس عليه السّلام : (( وستقرّ عيني بك في يوم القيامة )) ؛ فإنّ قرّة عين الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لا يكون إلاّ بما يراه الإمام من علوّ مقام ولده أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند الله تبارك وتعالى ، ورفيع منزلته لديه .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند فاطمة الزهراء : 

جاء في كتاب ( أسرار الشهادة ) نقلاً عن بعض كتب المقاتل : أنّه إذا كان يوم القيامة واشتدّ الأمر على الناس ، بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله بإذن من الله تعالى الإمامَ أمير المؤمنين عليه السّلام إلى ابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السّلام لتحضر مقام الشفاعة .

فيقبل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إليها ويخبرها بما قاله أبوها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ويطلب منها حضور مقام الشفاعة ، ثمّ يسألها قائلاً : (( يا فاطمة , ما عندك من أسباب الشفاعة ؟ وما الذي ادّخرتيه لأجل هذا اليوم الذي فيه الفزع الأكبر ؟ )) .

فتجيبه فاطمة عليها السّلام بقولها له : (( يا أمير المؤمنين , كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العبّاس )) .

وفي هذا الخبر دلالة كافية على قبول الله تعالى اليدين المقطوعتين لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، [ اللّتين ] قطعتا في سبيله ، وفي نصرة دينه ووليّه .

وهو يدلّ أيضاً على علوّ مقام صاحب اليدين المقطوعتين عند الله تبارك وتعالى ، وسموّ منزلته لديه ، إضافة إلى علوّ مقامه عند فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ حيث إنّها دعته ابناً لها عند قولها : (( كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العبّاس )) ، بعد جعلها يديه القطيعتين وسيلة للشفاعة في ذلك اليوم العظيم والموقف الرهيب .


🔴أبو الفضل ومنزلته عند الإمام المجتبى : 

لقد خاطب الإمام الصادق عليه السّلام عمّه العبّاس عليه السّلام في الزيارة المعروفة ، التي علّم شيعته زيارة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام بها ، وقال : (( السّلام عليك أيّها العبد الصالح ، المطيع لله ولرسوله ، ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلّى الله عليه وسلّم  .

فإنّ طاعة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام لأخيه الإمام المجتبى الحسن الزكي عليه السّلام تكشف عن مقامه عنده ومنزلته لديه ، وليس مقاماً متواضعاً ومنزلة عادية ، بل مقاماً رفيعاً ومنزلة سامية ؛ وذلك لأنّه عليه السّلام كان يطيعه عن علم تام ، ومعرفة كاملة ، ويقين راسخ ؛ لأنّه عليه السّلام كان يرى في إطاعته له إطاعة لأمر أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، حيث أوصى بنيه وجميع أهل بيته ، وشيعته ومحبّيه بالسمع والطاعة للإمام المجتبى الحسن الزكي عليه السّلام ، ثمّ بعده لأخيه الإمام الحسين عليه السّلام .

وممّا يدلّ أيضاً على عظيم منزلة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند أخيه الإمام المجتبى عليه السّلام ، ورفيع مقامه لديه أن شرّكه الإمام الحسين عليه السّلام في تجهيز الإمام المجتبى عليه السّلام ، وتغسيله له وتكفينه إيّاه ، مع أنّه لا يلي تجهيز المعصوم إلاّ المعصوم ، ومَنْ أوصى المعصوم ، ورآه المعصوم صالحاً لأن يشارك المعصوم في تجهيزه .

والظاهر : أنّ أبا الفضل العبّاس عليه السّلام هو مَنْ قد أوصى الإمام المجتبى عليه السّلام أخاه الإمام الحسين عليه السّلام بمشاركته له في تجهيزه ، ورآه الإمام الحسين عليه السّلام أيضاً صالحاً لذلك ، فشرّكه معه في تجهيزه كما شرّك الإمام أمير المؤمنين ابن عمّه الفضل بن العبّاس بن عبد المطلب في تجهيز رسول الله صلّى الله عليه وآله ، لكن مع إلزامه في تعصيب عينيه ؛ خشية العمى إن وقع بصره على ذلك الجسد الطاهر ؛ فإنّ غير المعصوم كما لا يحقّ له تجهيز المعصوم ؛ لعدم المجانسة في العصمة والطهارة معه ، فكذلك لا يحقّ له النظر إلى جسد المعصوم عند تجهيزه ، وإلاّ عمي بصره .

بينما أبو الفضل العبّاس عليه السّلام قد شارك أخاه الإمام الحسين عليه السّلام في تجهيز الإمام المجتبى عليه السّلام ، ولم يذكر في التاريخ أنّه عصّب عينيه أوغضّ طرفه عند مشاركته له ، وهذا يدلّ على عظمة شأن أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وجلالة قدره .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند الإمام الحسين : 

وأمّا منزلة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند أخيه الإمام الحسين عليه السّلام فحدّث ولا حرج ، فكم من موقف للإمام الحسين عليه السّلام مع أخيه أبي الفضل العبّاس كشف فيه عن علوّ مقامه عنده ، وسموّ منزلته لديه .

فقد خاطبه عليه السّلام يوم التاسع من المحرّم عندما زحف الجيش الأموي على مخيّم الإمام الحسين عليه السّلام بقوله : (( اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتسألهم عمّا جاءهم ، وما الذي يريدون ؟ )) .

وهذه الكلمة لها أهميتها وقدرها ؛ فإنّها تنبئ عن مكانة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند أخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وتخبر عن خطر منزلته لديه .

وقد خاطبه عليه السّلام يوم عاشوراء أيضاً ، وذلك لمّا استأذنه للبراز إلى الأعداء والقتال بين يديه ، بقوله : (( أنت صاحب لوائي , وإذا مضيت تفرّق عسكري )) . وفي رواية اُخرى قال له ، وهو يريد استبقاءه : (( أنت العلامة من عسكري ، وأنت مجمع عددنا ، فإذا مضيت يؤول جمعنا إلى الشتات ، وعمارتنا تنبعث إلى الخراب )) .

وخاطبه في يوم عاشوراء أيضاً ، وذلك لمّا وقف على مصرعه ، وأراد حمله إلى المخيّم ، فأقسم عليه العبّاس عليه السّلام بحقّ جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يتركه مكانه ؛ لئلاّ يتجرّأ الأعداء عليه ، بقوله : (( جزيت عن أخيك خيراً ، فقد نصرته حيّاً وميّتاً )) .

وخاطبه أيضاً لمّا قام من مصرعه ، وهو يبكي ويكفكف دموعه بيديه ، بقوله : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي )) ، وغيرها من المخاطبات الدالة على عظيم مقام العبّاس عليه السّلام عند أخيه الإمام الحسين عليه السّلام ، وسموّ منزلته لديه .

🔴 أبو الفضل ومنزلته عند الإمام زين العابدين : 

🔲 جاء في كتاب معالي السبطين إنّ الإمام الحسين عليه السّلام لمّا تفقّد ولده الإمام زين العابدين عليه السّلام وعاده ليودّعه سأله عن عمّه العبّاس عليه السّلام ، فاختنقت عمّته زينب عليها السّلام التي كانت تمرّضه بعبرتها ، وجعلت تنظر إلى أخيها عليه السّلام كيف يجيبه ؛ لأنّه لم يكن يخبره لحد الآن بشهادة عمّه العبّاس عليه السّلام خوفاً من أن يشتدّ مرضه ، فقال عليه السّلام له ، وهو يرى أنّه لا بد من إخباره ، ولا طريق لحجب هذا الخبر المفجع عنه : (( يا بني , إنّ عمّك قد قُتل ، وقطعوا يديه على شاطئ الفرات )) . فبكى علي بن الحسين عليه السّلام بكاءً شديداً حتّى غشي عليه .

ومعلوم أنّ سؤال الإمام زين العابدين عليه السّلام أوّلاً وقبل كلّ أحد عن عمّه العبّاس عليه السّلام ، وكذلك بكاؤه لمّا سمع باستشهاده حتّى الإغماء دليل على عظمة مقام العبّاس عليه السّلام عند الإمام زين العابدين عليه السّلام ، ورفيع منزلته لديه .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند الإمام الباقر : 

🔳 جاء في كتب المقاتل إنّ الإمام محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام ، المكنى بـ ( أبي جعفر ) ، والملقّب من قبل جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الله تبارك وتعالى بلقب ( الباقر ) عليه السّلام ، كان مع أبيه الإمام السجّاد عليه السّلام وجدّه الإمام الحسين عليه السّلام قد حضر كربلاء ، ومر عليه يوم عاشوراء وهو ابن خمس سنين ، فكان يدرك كلّ الوقائع المؤلمة التي وقعت فيه ، ويتحسّس جميع الأحداث المفجعة التي اتّفقت لهم عنده ، فكان المصاب الأليم يعصر قلبه ، والرزايا العظيمة تستدرّ دمعه ، وخاصّة عندما سمع بمقتل عمّ أبيه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، ذلك البطل الضرغام الذي كان معسكر الإمام الحسين عليه السّلام ، وخاصّة مخيّم النساء آمناً في ظِلاله ، ومطمئناً إلى حمايته ودفاعه ، والذي بشهادته عليه السّلام أمِنَ العدوّ جانب الإمام الحسين عليه السّلام ، وأيقن بالسيطرة عليه ، وسهرت عيون الهاشميات ، وباتت خائفة من الأسر ، مرعوبة من السبي ، وتسلّط الأعداء الجفاة عليهم .

ولذلك يمكن لنا القول بأنّ الإمام الباقر عليه السّلام تقديراً لمواقف عمّه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام المشرّفة ، وشكراً لمساعيه الطيّبة ، وإعلانا عن مقام عمّه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عنده ، ومنزلته لديه ، قد لثم يدَي عمّه المقطوعتين ، وقبّلهما بحرقة ولوعة ؛ اقتداءً بأبيه الإمام السجّاد عليه السّلام ، وجدّه الإمام الحسين عليه السّلام ، وذلك حين مرّوا به وبعمّاته والهاشميات على مصارع القتلى ، وأطافوا بهم حول أجسادهم الموذرة وأعضائهم المقطّعة .

وبذلك يكون قد قبّل يدَي أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ولثمها خمسة من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام ، وهم : الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام , والإمام الحسن المجتبى عليه السّلام ، فإنّهما قبّلا يديه في حال صغره ، وحين كانتا مثبتتين في جسمه ، والإمام الحسين عليه السّلام ؛ فإنّه قبّلهما في صغره مثبتتين ، وفي كبره مقطوعتين ، والإمام السجاد عليه السّلام والإمام الباقر عليه السّلام ؛ فإنّهما قبّلا يدَيه وهما مقطوعتان عن جسمه ، مرميّتان على رمضاء كربلاء .


🔴أبو الفضل ومنزلته عند الإمام الصادق : 

🔳 لقد روي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام الشيء الكثير ، والجم الغفير في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وكلّ واحد منها ينبئ عن علوّ مقامه عنده ، وسموّ منزلته لديه ، بل كلّ واحد منها صريح في بيان ما لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام من الجاه والجلال عند الله تعالى ، وعند رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وعند فاطمة الزهراء عليه السّلام ، وعند الأئمّة من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله .

وقد اشتهر منها قوله عليه السّلام في حقّه : (( كان عمّنا العبّاس بن علي عليه السّلام نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله عليه السّلام وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهيداً ) .

ويكفي أبا الفضل العبّاس عليه السّلام هذا الوسام الكريم من الإمام الصادق عليه السّلام ، الذي هو وسام من الله تعالى ؛ لأنّه عليه السّلام يتكلّم عن آبائه عليهم السّلام ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، عن جبرائيل ، عن الله تعالى ، وقد أبان فيه عن مدى شخصيّة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام الكبيرة ، وكشف عبره عن مغزى نفسية العبّاس عليه السّلام الرحبة ، وأفصح في طيّاته عن معنوياته الواسعة والصلبة .

وقد اشتهر منها أيضاً قوله عليه السّلام فيما علّمه شيعته وأصحابه إذا حضروا عند مرقد أبي الفضل العبّاس عليه السّلام أن يخاطبوه به من لفظ الزيارة المرويّة بسند صحيح متّفق عليه ، والتي تبتدئ بتقديم التحيّة ، وإهداء السّلام من الله وملائكته وأنبيائه ورسله ، وعباده الصالحين ، وجميع الشهداء والصدّيقين ، زاكيّة طيّبة في كلّ صباح ومساء على العبّاس ابن أمير المؤمنين عليه السّلام ، وتنتهي بالدعاء والثناء ، وطلب المغفرة والرضوان ، ونيل الفلاح والنجاح للزائرين الوافدين ، وتضمّ فيما بين البدء والختم معانٍ شامخة ، ومقامات سامية تضاهي ما جاء من المعاني الشامخة في زيارات المعصومين عليهم السّلام ، وتوازي ما روي من المقامات السامية لهم سلام الله عليهم أجمعين .

فالزيارة هذه إذاً صريحة في عظمة أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وجلالة قدره .

🔴أبو الفضل ومنزلته العبّاس عند باقي الأئمّة : 

ثمّ إنّ باقي الأئمّة المعصومين عليهم السّلام من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد الإمام الصادق عليه السّلام وحتّى الإمام المهدي عليه السّلام وإن لم يصلنا منهم تصريح في حقّ عمّهم أبي الفضل العبّاس عليه السّلام سوى ما وصلنا من الإمام الهادي عليه السّلام ؛ وذلك على ما في الإقبال من زيارة الناحية المقدّسة الصادرة عنها سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة ، المتعرّضة لأسماء الشهداء ، والتي يقول فيها الإمام (عليه السّلام) مخاطباً عمّه العبّاس عليه السّلام : (( السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له ، الواقي الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه ، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد ، وحكيم بن الطفيل الطائي . . . )) .

وسوى ما بلغنا من الزيارة الصادرة من الناحية المقدّسة لصاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، والتي يقول فيها الإمام عليه السّلام : (( السّلام على الأعضاء المقطّعات )) .

إلاّ أنّهم عليهم السّلام أقرّوا ما روي صحيحاً عن الإمام الصادق عليه السّلام من لفظ زيارة عمّهم أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وأمروا شيعتهم أن يزوروا عمّهم العبّاس عليه السّلام بتلك الزيارة المأثورة ، فيكونون بذلك قد قبلوا ما تضمّنته الزيارة من مقام رفيع لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، وما صرّحت به من مرتبته السامية ؛ فيصح لنا حينئذ أن نقول : إنّ مقام أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند مَنْ لم يصلنا منه تصريح في حقّه من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام هو نفس مقام أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند مَنْ وصلنا من الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام تصريح منه في حقّه عليه السّلام .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند اُمّ البنين : 

إنّ الاُمّ وإن عُرف بأنّه يشدّها إلى ابنها محبّة الاُمومة ، وعلاقة الحمل والرضاع ن والتربية والحضانة ، إلاّ أنّ اُمّ البنين عليها السّلام قد فاقت في محبّتها لولدها العبّاس عليه السّلام على محبّة الاُمومة ، وسمت في علاقتها به علاقة القرابة القريبة ؛ وذلك لمعرفتها بما يحمله أبو الفضل العبّاس عليه السّلام بين جوانبه من إيمان راسخ وولاء كبير لأخيه وإمامه الإمام الحسين عليه السّلام .

وما يضمّه بين أضلاعه من إخلاص لله تعالى ولرسوله ولدينه وإمامه ، وما ينطوي عليه من صفات خيّرة وخلق كريم ؛ حيث اجتماع كلّ ذلك في أبي الفضل العبّاس عليه السّلام ، والذي بشّرته به إرهاصات ولادته عليه السّلام ، بل وقبل ولادته وحمله ، جعلت له مكانة عظيمة لدى اُمّه اُمّ البنين عليها السّلام ، وأحرزت له منزلة رفيعة لديها ولذلك نراها عليها السّلام تعوّذه من صغره بقولها 

أُعـيـذهُ بـالواحدِ       من عينِ كلّ حاسدِ
قـائـمِهمْ والقاعدِ       مـسلمِهمْ والجاحدِ
صـادرِهم والواردِ       مـولودِهمْ والوالدِ

وترثيه بعد شهادته بقولها :

يا مَنْ رأى العبّاس كرّ      عـلـى جماهيرِ النّقدْ
ووراه مـن أبناءِ حي       درِ كـلُّ ليثٍ ذي لُبدْ
نُـبّئتُ أنّ ابني أُصي      بَ بـرأسهِ مقطوعَ يدْ
ويـلي على شبلي أما      لَ برأسِهِ ضربُ العمدْ
لو كانَ سيفكَ في يدِي       ك لـما دنا منكَ أحدْ

وقولها الآخر :

لا تـدعـوَنّـي ويكِ اُمَّ البنينْ      
تـذكّـريني  بـليوثِ العرينْ

كـانـت بـنونَ ليَ أُدعى بهمْ      
والـيومُ أصبحتُ ولا من بنينْ

أربـعـةٌ مـثـلُ نسورِ الرُّبى      
قد واصلوا الموتَ بقطعِ الوتينْ

تـنـازعُ الـخرصانُ أشلاءَهم      
فـكـلّهم أمسى صريعاً طعينْ

يـا  لـيتَ شعري أكما أخبروا      
بــأنّ  عـبّاساً قطيعَ اليمينْ

نعم ، إنّ اُمّ البنين عليها السّلام كانت هي أوّل مَنْ رثى العبّاس عليه السّلام على ما في مقاتل الطالبيِّين ؛ فإنّها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها الأربعة ؛ العبّاس عليه السّلام وإخوته عبد الله وجعفر وعثمان ، أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع الناس لسماع ندبتها والبكاء معها مساعدة لها ، حتّى إنّ مروان هذا العدو اللدود لبني هاشم كان إذا مرّ بالبقيع وسمع ندبة اُمّ البنين أقبل وجلس يبكي مع الناس لبكائها .

🔴أبو الفضل ومنزلته عند السيّدة زينب : 

وأمّا منزلة العبّاس عليه السّلام عند السيّدة زينب عليها السّلام فقد ظهر منذ ولادتها عليها السّلام ، فكانت بعد اُمّه اُمّ البنين عليها السّلام هي كالأم الحنون له ، تناغيه في المهد ، وتربّيه في أحضانها ، وتغذّيه بعلمها ومعرفتها .

وهي التي أتت به عند ولادته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ؛ ليقيم عليه سنن الولادة من الأذان والإقامة في أذنيه اليمنى واليسرى ، ومن التسمية ، وجعل الكنية واللقب له ، ثمّ سألت أباها عن اسمه ، فقال لها : (( إنّه عبّاس )) ، وعن كنيته ، فقال : (( إنّه أبو الفضل )) ، وعن لقبه ، فقال : (( إنّه قمر بني هاشم ، وقمر العشيرة ، والسقّاء )) .

فقالت عليها السّلام متفائلة : أمّا اسمه ( عبّاس ) فهو علامة الشجاعة والبسالة ، وأمّا كنيته ( أبو الفضل ) فهو آية الفضل والكرامة ، وأمّا لقبه ( قمر بني هاشم ، وقمر العشيرة ) فهو وسام الجمال والكمال ، والصباحة والوجاهة ، ولكن يا أبه , ما معنى أنّه السقّاء ؟

فقال لها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد استعبر : (( إنّه ساقي عطاشى كربلاء )) . وقصّ عليها شيئاً من حوادث عاشوراء ، فأجهشت السيّدة زينب عليها السّلام بالبكاء لمّا سمعت ذلك ، فهدّأها أبوها بقوله : (( بُنية زينب , تجلّدي واصبري ، وخذي أخاك إلى اُمّه ، واعلمي أنّ له معك لموقف مشرّف وشأن عظيم )) .

وهذا ممّا زاد في مقام أبي الفضل العبّاس عليه السّلام عند أخته السيّدة زينب عليها السّلام ، وأضاف في منزلته لديها ، حتّى أنّها عليها السّلام طلبت من أبيها عند ارتحاله على ما في بعض الكتب بأن يتكفّلها أخوها أبو الفضل العبّاس عليه السّلام ، ويلتزم بحمايتها وحراستها ، وخاصّة في كربلاء ، وعند السفر إليها .

فدعا عليه السّلام ولده أبا الفضل العبّاس عليه السّلام  ، وأخذ بيد ابنته الكبرى السيّدة زينب عليها السّلام ووضعها في يده عليه السّلام ، وقال له : (( بني عبّاس , هذه وديعة منّي إليك ، فلا تقصّر في حفظها وصيانتها )) . فقال العبّاس عليه السّلام لأبيه عليه السّلام ودموعه تجري على خديه : لأنعمنّك يا أبتاه عيناً .

وكان أبو الفضل العبّاس عليه السّلام بعد ذلك يهتمّ باُخته الكبرى السيّدة زينب عليها السّلام أكثر من ذي قبل ، ويرعاها أشدّ رعاية من الماضي ، وخاصّة في أسفارها التي اتّفقت لها عليها السّلام بعد ذلك .

فإنّ أوّل سفرها عليها السّلام كان في أيّام خلافة والدها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الظاهرية ، حيث هاجر عليه السّلام من المدينة إلى الكوفة وجعلها مقرّاً لخلافته ، فهاجرت هي عليها السّلام إليها أيضاً .

وأمّا أسفارها الباقية ، وهي عبارة عن سفرها مع أخيها الإمام المجتبى الحسن الزكي عليه السّلام إلى المدينة المنوّرة ، والرجوع إلى مدينة جدّها صلّى الله عليه وآله ، وكذلك سفرها مع أخيها الإمام الحسين عليه السّلام حين خروجه على يزيد بن معاوية ـ عدوّ الله وعدوّ رسوله ـ من المدينة إلى مكّة ومنها إلى كربلاء ، فكان أبو الفضل العبّاس عليه السّلام هو الذي تكفّل ركوبها ونزولها , وتعهّد حراستها ورعايتها في طوال الطريق ، وخاصّة عند نزولها في كربلاء ، وعلى الأخصّ في الأيّام الصعبة والظروف العصيبة التي أحاطت بهم في كربلاء من كلّ جانب وإلى يوم عاشوراء .

ولذلك لمّا أراد الأعداء السفر بها وببقية السبايا إلى الكوفة ومنها إلى الشام ، وأحضروا النياق الهزّل الخالية عن الوطاء ، والعارية عن المحامل , ليركبوهم عليها ويعرجوا بهم من ربوع كربلاء ، التفتت السيّدة زينب عليها السّلام نحو العلقمي وصاحت برفيع صوتها ، والأسى يقطّع نبرتاها : أخي عبّاس , أنت الذي من المدينة أركبتني , وها هنا أنزلتني ، قم الآن فركّبني ، فها هي نياق الرحيل تجاذبنا بالمسير .

عـبّاس يا حامي الظعينةِ والحرمْ      
بحماك قد نامتْ سكينةُ في الحرمْ

صرختْ ونادتْ يومَ إذ سقطَ العلمْ    
 الـيومُ نـامتْ أعـينٌ بكَ لمْ تنمْ

وتـسهّدتْ اُخـرى فـعزَّ منامُها
عـبّاس  تـسمعُ ما تقولُ سكينةٌ      

عـمّاه  يـومَ الأسرِ مَنْ يحميني

🔴أبو الفضل ومقامه عند محبّيه وشيعته : 

لقد رفع الله مقام أبي الفضل العبّاس عليه السّلام وأعلى منزله في الدنيا والآخرة ، ولدى محبّيه وشيعته ، بل ولدى الناس أجمعين ، حتّى إنّ العلاّمة الدربندي في أسرار الشهادة كما عن معالي السبطين ، قال وهو يصف بعض ما لأبي الفضل العبّاس عليه السّلام من الجاه والمقام عند الناس :

ثمّ انظر إلى اسمه الشريف عند المخالف والموالف ؛ فإنّه قد جعل قريباً من أسماء الأئمّة الحجج ، ولا تمضي ساعة إلاّ وقد وقع الحلف باسمه الشريف ، بل الرعب منه أكثر من غيره ، بحيث لا يحلفون باسمه كذباً ؛ خوفاً من الابتلاء والافتضاح ، وقد شاهدوا ذلك باُمّ أعينهم .

وقصة التوسل به في قضاء الحوائج معروفة ، بحيث إنّه لا يمضي أسبوع واحد إلاّ وقد علا أحدهم المنارة العبّاسيّة المباركة ، وأخذ ينادي بأعلى الصوت : رفع الله راية العبّاس ، وبيّض وجهه ؛ فإنّه قد قضيت حوائجنا بتوسّلنا به إلى الله تعالى ، ونزولنا بفنائه ، ولجوئنا ببابه ، ثمّ قال : وكيفيّة النذورات له وكثرتها معلوم وواضح .

ويشهد لهذا التصريح المذكور في معالي السبطين ، والمحكي عن أسرار الشهادة ، التاريخ الغابر والمعاصر ، وكلّ مَنْ توفّق لأن يقصد أبا الفضل العبّاس عليه السّلام ويتشرّف بالحضور في روضته المباركة ، ويزوره في كربلاء المقدّسة عن كثب ؛ حيث إنّه يشاهد كلّ هذه الاُمور قائمة في روضته المباركة على قدم وساق ، ولا عجب من ذلك ؛ إذ هو الذي منحه الله تعالى وسام ( باب الحوائج ) ، وآلى على نفسه أن لا يردّ صاحب حاجة من بابه عليه السّلام خائباً ، ولا مؤمّلاً به محروماً ، بل يردّهم بحوائجهم مفلحين منجحين ، وسالمين غانمين .

🔴ما يقال عند زيارة العبّاس بن عليٍّ عليهما السلام : 

🔳 قال بن قولويه القمي : حدَّثني أبو عبدالرَّحمن محمّد بن أحمدَ بن الحسين العَسكريُّ بالعسكر ، عن الحسن بن عليٍّ بن مَهزيار ، عن أبيه عليٍّ بن مهزيار ، عن محمّد بن أبي عُمَير ، عن محمّد بن مَروانَ ، عن أبي حمزة الثّماليِّ «قال : قال الصّادق عليه السلام : إذا أردت زيارة قبر العبّاس بن عليِّ عليهما السلام ـ وهو على شطِّ الفُرات بحَذاء الحائِر ـ فقف على باب السَّقيفة وقل : 

 «سَلامُ الله وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ ، وَأنْبِيائِهِ المُرْسَلينَ ، وَعِبادِهِ الصّالِحينَ وَجَميع الشُّهَداءِ وَالصِّدِّيقِينَ ، وَالزَّاكياتُ الطَّيِّباتُ فيما تَغْتَدي وَتَروحُ عَلَيْكَ يا ابْنَ أمِيرِ المؤْمِنينَ ، أشْهَدُ لَكَ بالتَّسْليمِ وَالتَّصدِيقِ وَالوَفاءِ وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النَّبيِّ المرْسَل ، وَالسِّبْطِ المنْتَجبِ ، وَالدَّليلِ العالِمِ ، وَالْوَصِيِّ المُبَلِّغِ ، وَالمظْلُومِ المهْتَضَمِ ، فَجَزاكَ اللهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنْ أميرِ المؤمنين وَعَنِ الحَسَنِ والحُسين صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أفْضَلَ الجَزاءِ بِما صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ ، وَأعَنْتَ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ، لَعَنَ اللهُ مَنْ قَتَلَكَ ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ جَهِلَ  حَقَّكَ ، وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ حالَ بَيْنَكَ وَبَين ماءِ الْفُراتِ ، أَشْهَدُ أنَّكَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً ، وَأنَّ اللهَ مُنْجِزٌ لَكُمْ ما وَعَدَكُمْ ، جِئتُكَ يا ابْنَ أمير المؤْمِنينَ وافِداً إلَيْكُمْ ، وَقَلْبي مُسَلّمٌ لَكُمْ ، وَأنا لَكُمْ تابِعٌ ، وَنُصْرَني لَكُمْ مُعدَّة حَتّى يحكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ ، إنّي بِكُم وَبإيابِكُمْ مِنَ المؤمِنينَ ، وَبِمَنْ خالَفَكُمْ وَقَتَلَكُم مِنَ الكافِرينَ ، قَتَلَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ بِالأيْدِي وَالألْسنِ» . 

 ثمَّ ادخل وانكبّ على القبر وقل : 
 «السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها الْعَبْدُ الصّالِحُ ، المُطِيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأمِيرِ المؤمِنينَ ، وَالحَسَنِ وَالحُسَين عَلَيهمُ السَّلامُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ وَرِضْوانُهُ ، وَعَلىُ رُوحِكَ وَبَدَنِكَ ، وَاُشْهِدُ اللهَ أنَّكَ مَضَيْتَ عَلىُ ما مَضىُ عَلَيهِ الْبَدْرِيُّونَ ، المُجاهِدُونَ في سَبِيل اللهِ ، المُناصِحُونَ لَهُ في جِهادِ أعدائِهِ ، المُبالِغُونَ في نُصْرَةِ أولِيائِهِ ، الذَّابُّونَ عَنْ أحِبّائِهِ ، فَجزاكَ اللهُ أفْضَلَ الجَزاءِ ، وَأكْثَر الجَزاءِ ، وَأوْفَرَ الجَزاءِ ، وَأوْفىُ جَزاءِ أحَدٍ مِمَّنْ وَفى بِبَيْعَتِه ، وَاسْتَجابَ لَهُ دَعْوَتَهُ ، وَأطاعَ وُلاةَ أمْرِهِ ، أشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بالَغْتَ في النَّصيحَةِ ، وَأعْطَيْتَ غايَةَ المَجْهُودِ ، فَبَعَثَكَ اللهُ في الشُّهَداءِ ، وَجَعَلَ رُوحَكَ مَعَ أرْواحِ الشُّهَداءِ، وَأعْطاكَ مِنْ جِنانِهِ افْسَحَها مَنْزِلاً ، وَأفْضَلَها غُرَفاً ، وَرَفَعَ ذِكْرَكَ في عِلِّيِّينَ ، وَحَشَرَكَ مَعَ النَّبِيِّينَ ، والصِّديقِينَ وَالشُّهَدآءِ وَالصّالِحينَ ، وَحَسُنَ أولئِكَ رَفيقاً ، أشْهَدُ أنَّكَ لَمْ تَهنْ وَلَمْ تَنْكُلِ ، وَأنَّكَ مَضَيْتَ عَلى بَصيرةٍ مِنْ أمْرِكَ ، مُقْتَديّاً بِالصّالِحينَ وَمُتَّبِعاً لِلنَّبيِّينَ ، فَجَمَعَ اللهُ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ ، وَبَينَ رَسُولِهِ وَأوْلِيائِهِ في مَنازِلِ المُخْبِتينَ ، فَإنَّهُ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ . 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة وأزكى التسليم على محمد واله الطاهرين . 

دعواتكم لأهلنا بالعراق بالفرج والنصر ودعواتكم لوالدتي ومرضى المؤمنين والمؤمنات بالشفاء ( الرادود عمار العرب) السادس من شعبان الخير ١٤٣٨هجرية . 
__________________________
⚫️أهم المصادر التي رجعنا لها في جمع وكتابة هذا السرد :

🔵 الخصائص العباسية : لآية الله الشيخ محمد ابراهيم الكلباسي النجفي 

🔵العباس : للعلامة الشيخ عبد الرزاق المقرم 

🔵النص الجلي في مولد العباس بن علي للمرحوم الخطيب الملا محمد علي الناصري 

🔵كامل الزيارات لأبن قولويه القمي : الباب الخامس والثّمانون 

التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011