مقالات > أقسام النفس
أقسام النفس
نشرت في: 2013/2/27 (عدد القراءات 147)

أهمية معرفة النفس‏

إن الحديث عن نفس الإنسان حديث له عدة جوانب، فمن جهة لابد من الحديث عن خصائص هذه النفس، ومن جهة يمكن الحديث عن قواها التي أودعها الله تعالى فيها، ومن جهة أخرى عن سبل إصلاحها وسنتحدث عن هذه النقاط الثلاث بشيء من التفصيل إذ أن معرفة هذه النقاط الثلاث أمر أساسي في علم الأخلاق ففي الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام: "من عرف نفسه عرف ربه"1.

وفي الحديث عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في كلام له: "ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال"2، إذ يوضح الحديث هذا بشكل واضح أن الحجاب الأساسي بين الإنسان والله تعالى هو نفس الإنسان، فما دام الإنسان يرى نفسه متصرفاً وينسب إلى نفسه كل أمر يقوم به وما دامت نفس الإنسان هي مدار الرحى التي يبني عليها معتقداته وتصرفاته، فإن هذه النفس ستكون الحجاب الكبير الذي لا يسهل اختراقه.

ولذا كانت النفس وإصلاحها من أهم الأمور في علم الأخلاق، بل إن علم الأخلاق هو تهذيب النفس بالدرجة الأولى للوصول بها إلى الكمال المرجو لها، ولا أدل على ذلك من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حين دخل عليه رجل اسمه مجاشع، فقال: "يا رسول الله! كيف الطريق إلى معرفة الحق؟ فقال: معرفة النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى موافقة الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: مخالفة النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى رضا الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: سخط النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى وصل الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: هجر النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: عصيان النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: نسيان النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى قرب الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: التباعد من النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى أنس الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: الوحشة من النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال صلى الله عليه وآله: الاستعانة بالحق على النفس"3.

ومن المناسب أن نذكر ههنا سؤالاً استنكارياً سأله أمير المؤمنين عليه السلام فقال: "كيف يعرف غيره من يجهل نفسه"4؟

ما هي النفس؟

تتميز النفس التي أكرم الله تعالى بها الإنسان عن غيره من المخلوقات بأنها جمعت العقل مضافاً إلى الغريزة والشهوة، خلافاً للحيوانات التي وضع الله فيها الغريزة والشهوة فقط، أو للملائكة التي أكرمها الله بعقل دون غريزة وشهوة، ومن هنا فإن الإنسان لا بد وأن يستخدم العقل في تعديل المتطلبات التي تمليها الشهوة والغريزة حتى يسلك حد الاعتدال قال الله تعالى: ﴿ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:7-8).

وعندما نطالع الآيات القرآنية التي تحدثت عن النفس نراها قد تحدثت عن ثلاثة حالات من حالات النفس كما أنها وصفتها بصفات مختلفة منها:

الأمارة بالسوء

يقول الله تعالى في محكم بيانه ﴿وَمَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنّ‏َ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنّ‏َ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(يوسف:53)، فالنفس الأمارة بالسوء هي التي تتبع هواها بحيث لا ترى أمامها سوى ما تتمنى الحصول عليه من الشهوات بدون أي التفات للشريعة أو للمفاسد الدنيوية والأخروية، ولذا فإن إتباع النفس الأمارة بالسوء يجلب الظلم والضلال، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاهُمْ وَمَنْ أَضَلّ‏ُ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنّ‏َ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(القصص:50).

النفس اللوامة

يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾(القيامة:1-2).

والمراد بالنفس اللوامة، نفس الإنسان المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية، والتثافل في أداء الطاعات5.

وقد يطلق علماء النفس عليها اسم الضمير الذي يؤنب الإنسان على ما فعله من القبائح.

النفس المطمئنة

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(الفجر:27-30).

والنفس المطمئنة كما وصفها العلامة الطباطبائي في تفسيره "هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو وشر أو نفع أو ضر ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر أو أي نفع وضر ابتلاءاً وامتحاناً إلهياً فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر، بل هو في مستقَرٍّ من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط...

وتوصيفها بالراضية لأن اطمئنانها إلى ربها يستلزم رضاها بما قدَّر وقضى تكويناً أو حكم به تشريعاً فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، وإذا رضي العبد من ربه رضي الرب منه، إذ لا يسخطه تعالى إلا خروج العبد من زيّ‏ِ العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضا ربه ولذا عقب قوله "راضية" بقوله: "مرضية"6.

الحذر من النفس الأمارة

بعد أن عرفنا النفس الأمارة بالسوء وميزتها لا بد من مواجهتها وعدم الركون لها، إذ أن لبّ علم الأخلاق قهر النفس الأمارة وكبح جماحها، لأنها كما تقدم لا ترى إلا ما تريد وتشتهي، ولو خلفت كل شي‏ء خراباً من خلفها، فإذا كانت النفس الأمارة خطيرة لهذه الدرجة فلا بد من أن نجد لها علاجاً لإصلاحها وتليين طبعها الشرس فما هي الطرق الممكنة لإنجاز هذه المهمة؟

إصلاح النفس‏

إن المسالك والطرق إلى الله كثيرة، بل هي بعدد أنفاس الخلائق إلا أنها كلها تبدأ من خلال تهذيب النفس وإصلاحها.

فينبغي بالدرجة الأولى على من يريد إصلاح نفسه أن يرغِّب نفسه بالأعمال الصالحة، ويكون ذلك من خلال التفكر في الأعمال وما تستتبع من رضا أوسخط للمولى العزيز، وما يترتب عليها من آثار في الآخرة، فتطمع النفس بثواب الآخرة، وتخاف من عقاب الأعمال القبيحة.

وبما أن كثيراً من الناس يميلون إلى الربح السريع ويفضلون الربح القريب ولو كان قليلاً وتافهاً على الربح البعيد ولو كان كبيراً وعظيماً، وهذه حقيقة في الإنسان قد ذكرها الله تعالى في كتابه حيث يقول جل شأنه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخرة﴾(القيامة:20-21)، ﴿وَيَدْعُ الْإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإنْسَانُ عَجُولاً﴾(الإسراء:11).

فبسب شقاء هذا الإنسان تراه يستعجل ما يتصوره ربحاً في الدنيا ويترك فوز الآخرة، وهنا يتضح دور العقل في السيطرة على الأهواء النفسية السيئة، فلا بد من التنبيه الدائم للنفس على الدوام، لما وعد به الله تعالى أهل طاعته، وحذر منه أهل معصيته، لأن مجرد عدم الالتفات إلى الجانب الأخروي من الأعمال والاستغراق في أمور الدنيا وتفاصيلها، يدخل الإنسان في نفق الغفلة المظلم ولا يستيقظ منه إلا بعد الموت في الكثير من الأحيان ولعل هذا هو المراد من قول الإمام علي أمير المؤمنين: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"7.

وأما كيفية التفكر في أمر الدنيا وزوالها فهو كما يروى أن الإمام الباقر عليه السلام قال لصاحبه جابر في حديث طويل: " ... يا جابر: إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة، يا جابر الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، ولكن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شي‏ء"8.

إذاً فإصلاح النفس يبدأ من التذكر والخروج من نوم الغفلة عن الاخرة بالدرجة الأولى ولهذا الأسلوب في إصلاح النفس ميزتين:

أ- أنه يصلح ظاهر العمل وباطنه إذ أن المراد هو الله تعالى، والمحاسب والمجازي هو الله تعالى أيضاً.

ب- أنه جزاء دائم لأنّ‏َ ما عند الله خير وأبقى، والقرآن الكريم اعتبر هذا المسلك مسلكاً جيداً وندب إليه ومنه قوله تعالى: ﴿إِنّ‏َ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ‏َ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجْيلِ وَالْقُرْانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(التوبة:111).

وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين: "إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها"9.

مرتبة الحب لله تعالى‏

إن علاج النفس تارة يكون بإيجاد المانع فيها من فعل الذنوب كأن يخوّف الإنسان نفسه بالنار وغضب الجبار، ففي هذه الحالة يكون الدافع إلى الذنب موجوداً في النفس إلا أنه هنالك مانع من الوقوع فيه وهو ما ذكرناه من الخوف وغيره من الموانع، وتارة يكون علاجها بإلغاء الدافع أساساً بحيث لا تطلب النفس الذنب إذ لا رغبة لها فيه، والطريقة الأولى هي من خصائص المسالك الأخرى لا مسلك الحب الإلهي أما الطريقة الثانية وهي قلع الدوافع من النفس فهي من مختصات مسلك الحب الإلهي ولهذا المسلك والطريق ركنان أساسيان:

الأول: ركن المعرفة والعلم بأن يصل الإنسان من خلال علمه إلى مرحلة يدرك فيها معنى التوحيد بكل أبعاده ومن خلال هذه المعرفة بالتوحيد لا يبقى أي موضوع لهذه الرذائل، ولن يتوجه بعد ذلك إلى الناس، ولا يطمع بما في أيديهم، لأنه يعرف حق المعرفة أن الغني منهم لا يملك ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله تعالى فلا يرجوه، ولا القوي منهم خارج عن قوة الله فلا يخاف منه، وغيرها من المعاني.

ولقد كان الإمام الخميني قدس سره من المصاديق البارزة في هذا المضمار من الإيمان إذ لم يخف طواغيت العالم بل خاف مالك الملوك وجبار الجبابرة فأخاف الله تعالى منه طواغيت الأرض.

الثاني: ركن العمل إذ مجرد العلم لا يكفي في هذا المجال، فبعد أن يتعلم الإنسان التوحيد يجب أن يكون توحيده عملياً لا نظرياً فحسب، والطريق إلى التوحيد العملي حب الله تعالى، فإن الإنسان إذا أحب شيئا أطاعه وعبده، بل إن من أثار الحب الطاعة والتسليم.

وخلاصة الأمر: إن على الإنسان أن يجعل قلبه متعلقاً بالله تعالى وحده قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾(الأحزاب:4) إذ لا يجتمع حب الله تعالى وحب الدنيا في قلب واحد، وإذا حصلت المحبة في قلب الإنسان لله أخذ إيمانه في الاشتداد والازدياد وانجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربه، واستحضار أسمائه الحسنى، وصفاته الجميلة المنزهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذاباً، وتترقى مراتبه حتى صار يعبد الله كأنه يراه...

فيأخذ الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور على حب الجميل، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ امَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه﴾(البقرة:165)، وصار يتبع الرسول صلى الله عليه وآله في جميع حركاته وسكناته لأن حب الشي‏ء يوجب حب آثاره، والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضاً آثاره وآياته تعالى، ولا يزال يشتدُّ هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شي‏ء، ولا يحب إلا ربه، ولا يخضع قلبه إلا لوجهه، فان هذا العبد لا يعثر بشي‏ء، ولا يقف على شي‏ء وعنده شي‏ء من الجمال والحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عند الله من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، فيستولي سلطان الحب على قلبه.

_____________

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1877.

2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1880.

3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1877

4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص.1881.

5- الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطبطبائي، ج20، ص103.

6- تفسير الميزان - السيد الطباطبائي، ج20، ص285.

7- شرح أصول الكافي - المولى محمد صالح المازندراني، ج8، ص379.

8- بحار الأنوار - العلامة المجلسي، ج70، ص36 .

9- نهج البلاغة، ج4 ص105.

 

المصدر: موقع المجمع العالمي لأهل البيت(ع)


التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
قائمة الموقع
جمعية الفضيلة © 2010