SmartFAQ is developed by The SmartFactory (http://www.smartfactory.ca), a division of InBox Solutions (http://www.inboxsolutions.net)

السؤال : 
ذكرتم إنه يمكن الفرار من الكذب إلى التورية؛ فما هي التورية بالضبط؟ فالذي نفهمه منها أنها شكل من أشكال الكذب، وإنما يلجأ إليها عند الاضطرار، وعدم القدر على المصارحة بالحقيقة
تمت الإجابة عليه بتاريخ  30-10-2013
الجواب : 
لا أبداً ليست التورية كذباً . فهي لغة: الإخفاء والستر، من ورّى يورّي تورية. وهي في الاصطلاح: الاتيان بلفظ أو كلام يحتمل أكثر من معنى، بعضه ظاهر قريب، وبعضه متوارٍ بعيد عن ذهن المتلقي. والمتكلم يقصد المعنى البعيد المتواري، لكن المتلقي ينسبق المعنى القريب إلى ذهنه. ومصحح هذا الإسناد أنك لو قلت له إنني أردت من قولي المعنى البعيد لا القريب لقبله العرف منك، ولو لم يقبله المتلقي. فلا يلزم من التورية الكذب أبداً.
وأمثلة ذلك كثيرة وجميلة، لجأ إليها الشعراء ليزينوا ببديعها معاني كلامهم، والحكماء ليخفوا حقيقة لا يتحملها خلطاؤهم، وتخلص بها العقلاء الديّنون حين حاصرهم ظالموهم، أو من لا يقبل لهم عذراً، أو لا يخفر لهم ذمة، فيفرون إليها من الكذب ومما لا يرغبون في إظهاره.
ومن أمثلتها في الشعر قول لسان الدين الخطيب في موشحه:
وروى النعمان عن ماء السما كيف يروي مالكٌ عن أنس
فالسامع يذهب وهمه إلى النعمان بن ماء السماء ملك العراق، والشاعر يريد نبت الأرض من شقائق النعمان، والمطر من ماء السماء.
وقول الآخر: أيها المعرض عنّا حسبك الله تعالى
وهو يريد بقوله (تعالى) المعنى البعيد منها وهو: أقبِلْ!
ومن أمثلته العرفية لو سئلت عن شخص: هل رأيته؟ فتقول: لا ما رأيته، مع أنك كنت معه، وإنما جاز لك ذلك، لأن لها معنى صحيحاً هو أنك لم تصب رئته! أو أنك سئلت عنه وهو في البيت، فتقول وأنت بالباب: هو ليس هنا، وتقصد من (هنا) بجوار الباب! وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلاناً : فقلت : والله لن أكلمه ، وأنت تعني: لن أجرحه؛ لأن التكليم يأتي في اللغة بمعنى الجرح . وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له: اكفر بالله ، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي . يعني اللاعب. واللفظ شبيه اللفظ!
ومما يدل على سلب الكذب عن التورية ما روي في الاحتجاج، للشيخ الطبرسي: ( أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل ـ في قصة إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام ـ : ( بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ) (الأنبياء : 63) ، قال : ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم ، قيل : وكيف ذلك؟ فقال : إنما قال ابراهيم : ( إن كانوا ينطقون ) ، أي : إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا ، فما نطقوا وما كذب ابراهيم.
وسئل عليه السلام عن قوله تعالى : ( أيتها العير إنكم لسارقون ) (يوسف : 70). قال : إنهم سرقوا يوسف من أبيه ، ألا ترى أنهم قالوا : ( نفقد صواع الملك ) (يوسف : 72) ولم يقولوا : سرقتم صواع الملك.
وسئل عن قول الله عز وجل حكاية عن ابراهيم عليه السلام : ( إني سقيم ) (الصافات : 89) قال : ما كان ابراهيم سقيما وما كذب ، إنما عنى سقيما في دينه ، أي : مرتادا (الاحتجاج 2 : 105 مع اختلاف يسير ، والمرتاد : الطالب للشئ).
وإنما يُلجأ إلى ذلك عند الاضطرار الشرعي، أو الحاجة العقلائية، لا في كل حين، وإلا انقلب الدواء داءً، والحل معضلة، وانفقدت الثقة بين الناس.
وقد اشتهرت الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
على أن هناك أسلوباً آخر ليس بتورية لكنه ملحق بها، يمكن أن يلجأ إليه أيضاً، والدليل عليه هو نفسه الدليل على التورية. وسوف نتعرض إليه في موضوع مستقل إن شاء الله تعالى.

سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.


التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011