SmartFAQ is developed by The SmartFactory (http://www.smartfactory.ca), a division of InBox Solutions (http://www.inboxsolutions.net)

السؤال : 
هل آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر جميعهم؟ أم هو أبو قوم خاصين منهم؟ وكما يقول بعض الخطباء المعروفين: إنه أبو البشر في منطقتنا، ولكل منطقة آدم خاص بهم؟ وقال: إن هذا ما يدل عليه تاريخ التراب الذي هو أصدق وأدق من تاريخ الكتاب، فالأول تاريخ خال من التزوير والتزييف، لا يعرف التحريف ولا الرشاوى والمحسوبيات التي تدفع لكتابه، فيدونوه كيفما يشاء الأقوياء والمتسلطون. وبخاصة وأن بعض الحفريات تثبت العثور على أجساد متحجرة لبشر عاشوا فوق الأرض قبل مليوني سنة، أو مليون وخمسمائة ألف عام، بينما هذا الذي تذكره الأحاديث وقصص الأنبياء لا يكاد يتجاوز الخمسة عشر الف عام فقط، فأين هذا من هذا؟ وماذا نفعل مع هذه الأحافير؟
تمت الإجابة عليه بتاريخ  17-12-2014
الجواب : 
مفاد النصوص الشرعية من الكتاب المجيد والأحاديث الشريفة على أن آدم النبي عليه السلام هو أبو البشر، وهي بذلك ترفض النظرية الداروينية، التي تبتني على رجوع أصل الانسان إلى القرد، أو أن الانسان مع القرد فصيلتان اثنتان متطورتان في أصلهما عن أصل واحد!.
وهذا الكلام المذكور في متن السؤال مرفوض لعدم خلوه من النقاش من عدة جهات:

تاريخ التراب وتاريخ الكتاب
فهو أولاً: بنى رأيه على مجرد تكهنات، وإن سميت بتاريخ التراب، ففي عهد قريب من الأعوام قالوا بتقديراتهم الجيولوجية هذه، وبحساباتهم المأخوذة من العمر الإشعاعي للأرض، وقياسات الرصاص في اليورانيوم والمعادن الغنية: إن عمر الأرض في حدود مليارين إلى ثلاثة مليارات سنة، وإذا بهم اليوم بعد ما لا يزيد عن عشرين أو ثلاثين سنة يقولون: إن عمرها يقرب من خمسة مليارات سنة ( 4.54 مليار سنة حسب موسوعة الويكيبديا الألكترونية). ولا نقاش في أن حساباتهم اليوم تأخذ بعين الاعتبارات موازين أكثر دقة من ذي قبل، ولكن كيف يمكن للعاقل أن يطمئن إلى الأرقام التي يقولون بها مع أنها قابلة للتغير، وبهذا الفرق الفاحش والمدهش؟!
ولا شك أن تقدير عمر الأرض يختلف عن تقدير عمر سكانها، ولكن الاختلاف في النتائج التقريبية، موجود في كلا الحسابين. وفي مثل هذه الحالة، هل نقدّم النظرة الترابية كما يقول هذا البعض؟ أم النظرة الكتابية؟ خصوصاً مع الأخذ بالاعتبار مجموعة من المرجحات العقلائية، من قبيل: النصوص الوحيانية التي يمكن القبول بها ولو بحدودها الإجمالية، بلحاظ توفر القرائن على عدم حصول التواطؤ فيها على الكذب أو التزييف، ولا سيما مع المداقة المفيدة للاطمئنان في علم الدراية، في أخبار العقيدة والأحكام.
فنحن نتساءل: هل أن كلام الله اليقيني، وهو الخالق والشاهد الحاضر الصادق، وهو يقص علينا قصة خلق الانسان الأول، والمعضود بتوضيح الأخبار المسندة بثقات الرواة المشهود لهم بالصدق أوثق وأولى بالقبول والاتباع، أم بأحافير لا يجزم فيها زعماؤها إلا بتخمينات وحدوس قد تصيب وقد تخطئ؟ ثم إن احتمال التزييف في الاثنين - إذا أبينا – موجود في الحالتين، وهو في الترابي لا يقل عن الكتابي، إن لم يزد عليه، وكم قرأنا أخباراً عن آثار كشفوها في بلاد وبنوا عليها أقوالهم وتقديراتهم، ثم إذا بها بعد مدة ينكشف أنها لم تكن واقعية، بل مزورة منحولة، بغرض المتاجرة بتاريخ هذا البلد ونكاية ببلد آخر، أو بغرض التجارة المادية البحتة.

نظرية الأسلاف تواجه معضلات عقدية كبيرة:

وثانياً: إننا لو تنزلنا وقبلنا هذه النظرية المزعومة، فإننا سنواجه مشكلات عقدية عويصة وعديدة عقلية ونقلية لا حل لها، بخلاف ما لو قلنا بالنظرة الوحيانية المنطلقة من متون الشريعة، والمؤيدة بشهادات الشرائع الأخرى السماوية - مع القطع بعدم التواطؤ -.
ومن تلك المشاكل العقدية: أن الهدف من الخلقة أصلاً كما تظهره الآيات والروايات المستفيضة بل المتواترة إنما هو عبادة الله وتوحيده، وخلافة الله في أرضه من قبل الإنسان، وعدم خلو الأرض من حجة على البشر، لكيلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأن الأرض لو خلت من الحجة لساخت بمن عليها، وأن النبي وآله معصومون طاهرون مطهرون، تنقلوا من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة، لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، ولن تلبسهم من مدلهمات ثيابها، وغير ذلك من الحقائق الدينية الثابتة التي لا يمكن الجمع بينها وبين هذه النظرية.
أما نظرية أسلاف آدم فتفترض أنهم كانوا يعيشون حياة بدائية، تحكمها الفوضى والظلم وسفك الدماء.

أدلة القائلين بأسلاف آدم عليه السلام:

وأهم ما يذكره أصحاب هذا القول غير انبهارهم بما يسمى بالكشوف الأثرية والعلمية، هو: بعض النصوص القرآنية أو الروائية التي يتخيلون دلالتها على مذهبهم، من قبيل قول الملائكة لرب العزة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟!"[1]، وقوله تعالى: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين"[2]، بناء على أن المراد من اصطفاء آدم بمعنى انتقائه من بين البشر الذين كانوا يعيشون في عصره أو قبله.
ومن الروايات استدلوا بمثل ما رواه الصدوق في (التوحيد): بسنده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عز وجل: " أََفعَيينَا بالخَلق الأَوَّل بَل هم في لَبس من خَلق جَديد"[3]، قال: يا جابر تأويل ذلك أن الله - عز وجل - إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جدد الله عالماً غير هذا العالم، وجدد خلقاً من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بل والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم)"[4]. بتقريب: أن الإمام عليه السلام أولاً: صرح بكونهم ألف ألف آدم، فهو إذن ليس واحداً، فلا يمكن القول: إن البشر اليوم كلهم من نسل آدم الشخص، بل كلهم آدميون، وثانياً: صرح كذلك ببشريتهم، وثالثاً: جعل البشر اليوم في آخر القائمة!
كما يتصور بعضهم بوجود شبهة عويصة بناء على النظرية الوحيانية، في استمرار النسل من آدم مع حواء فقط، إذ كيف استمر النسل، هل تزوج أبناء آدم ببناته؟ وأنه لا يمكن حل هذه المعضلة إلا بوجود أوادم متعددين، ثم يؤيدون ما ذهبوا إليه بوجود التنوع اللغوي والإثني لدى البشر، حيث السود والبيض والصفر والحمر والسمر، وذوي العيون الزرقاء والسوداء والبنية، وما أشبه ذلك، الذي لا يمكن بزعمهم أن يرجع إلى رجل واحد ذي ملامح وجينات واحدة حسب قانون الوراثة الجيني.

مناقشة الأدلة المذكورة:
لكنها حجج ضعيفة لا تقف أمام النقد الجاد، ونحن نشير إلى مواقع الإشكال فيها بشكل مختصر:

سفكة الدماء هم قوم النسناس
فأما الذين نسب إليهم سفك الدماء فقد أشارت النصوص المعصومية إليهم بأنهم قوم غير البشر، وأنهم يدعون النسناس[5]، ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالبشر، نعم ربما يقال بأنهم أرضيون، وقد احتمل البعض كونهم من الجن، وهو لا يخلو من النقاش والتأمل الواضح أيضاً، لأن الله تبارك وتعالى قد صرح في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بقوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[6]، فالكلام الذي قلناه عن الحجة والهدف من الخلق يأتي أيضاً بحق الجن، سواء بسواء.

معنى اصطفاء آدم:

وأما اصطفاء آدم من بين من عاصره أو سبقه، فهو مجرد تخرص وتحكم لا تدل عليه الآيات، بل القرآن صريح وقاطع بأن آدم (عليه السلام) كان وحيداً مع زوجه في الجنة، فلم يكن له مثيل ولا شبيه قبل مجيء ذريته، والقرآن يفسر بعضه بعضاً؛ قال تعالى: " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"[7]، ولا معنى لاعتراض الملائكة ولا لاستفسارهم عن الحكمة في خلقه، إلا بعد الإذعان بأنه خلق جديد، ولم يأت بالتكاثر أو التناسل ممن سبقه، لأن المفروض هو استمرار الأجناس السابقة، بواسطة التكاثر الجنسي، فما معنى الحديث عن خلق جديد، وبصفات جديدة.
ثم يوضح الله سبحانه أن هذا البشر هو آدم الذي سجدت له الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر، وقال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"[8]. ثم يقص علينا قصة أول بشر مع زوجه، وكيف كانا وحيدين في الجنة، ثم خرجا منها.. وهكذا يذكرنا بين الفينة والأخرى بأننا كلنا أبناؤه وذريته ؛ فيقول رب العزة جل وعلا: " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا"[9].
ومعلوم أن الخطاب موجه لكل البشر، ولو كان لغير بني آدم وجود لاستثنى وخصص، مع أننا نراه سبحانه دائماً ما يؤكد هذه البنوة من كل البشر لآدم، فيقول سبحانه: " يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا"[10]، وقال: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[11]. والتعميم فيها لكل البشر واضح لا لبس فيه. ومثلها في التعميم قوله سبحانه: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا "[12].

خلق الله ألف ألف عالم وألف ألف آدم:

وأما الكلام عن الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام، فمع تسليمه لا يدل على مزاعم القوم، ذلك لأن الإمام عليه السلام بصدد ذكر فياضية الله جل وعلا، وأنه لا يقتصر خلاقيته على خلقنا نحن البشر فقط، بل خلاقيته مستمرة وقديمة، فقبلنا خلق خلقاً غيرنا، ولسوف يخلق خلقاً كذلك بعدنا مهما شاء. لكن هل هؤلاء الخلق هم الخلق الذين كانوا على هذه الأرض وينتمي إليهم النبي آدم عليه السلام، أم هم قوم آخرون؟ وقد يكونون على كواكب سماوية أخرى غير هذا الكوكب، وقد يكونون على هذا الكوكب، ولكنهم خلق آخر غير هذا البشر، ألا تراه عليه السلام يصرح بأنهم من غير فحولة ولا إناث، يعني مختلفين عنا تمام الاختلاف، مع أن الله سبحانه يقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل"[13]، ويقول: "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى"[14].
ثم ألا تراه وهو يقول: " إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جدد الله عالماً غير هذا العالم وجدد خلقاً"، فهو خلق آخر في نشأة أخرى، لا ينتمي أحدها للآخر. وبذلك يتضح الكلام بالنسبة إلى لقب البشرية والآدمية، فإنما أراد عليه السلام أن يقول: إنهم خلق مكلف بعبادة الله ومعرفته، وبالتالي كيف كان يمكن له أن يعبر؟ بماذا يسميه لجابر حتى يعرفه؟ أتراه يعقل أو يستوعب لو نعته بوصف خارج تصوره وإدراكه، إن الحكمة تقتضي أن يكلم المرء الناس بما يفهمون ويعرفون، ولكنه في الوقت نفسه بذكره الفوارق الأساسية قد بين أنهم ليسوا بشراً، ولا آدميين منتمين لهذا الآدم، ولا هو منتم لهم، وإلا لكانوا من نفس عالمه، لا عوالم أخرى، كما هو واضح للفطن اللبيب.

كيف تكاثر أبناء آدم؟

وأما شبهة استمرار نسل آدم عليه السلام وانتشاره فالأمر فيها سهل، وقد حسم أهل البيت عليهم السلام الأمر فيه، بقولهم أن الله أنزل لكل ولد من أولاد آدم زوجة يستولدها، بل حتى لو قلنا ببعض الروايات الأخرى التي تقول بزواج أبنائه من بناته، فالمشكلة أيضا تنحل معها، وإن كنا نصرّ على الاعتقاد بما أصر عليه أهل البيت المعصومين عليهم الصلاة والسلام. ثم إن المعضلة مع الإذعان بأنها معضلة واردة على نظرية أسلاف آدم أيضاً، حيث نسحب السؤال مرة أخرى إلى أول مخلوق خلقه الله سبحانه، ونقول: كيف استمر النسل منه، وهل أنه تم بتزاوج أولاده وبناته، أم مع جنس آخر؟!

كيف يرجع كل التنوع الإثني إلى شخص واحد؟!
وأما التنوع الإثني واللغوي فليت شعري أين المشكلة فيه مع ما نرى بأم أعيننا اليوم بزوال بعض اللغات وولادة غيرها، وتناسل بعضها من بعض. وإن اللغات العالمية اليوم ترجع في عمودها الفقري إلى لغات أمٍّ أصلية، كشجرة اللغات السامية التي تشمل السريانية والآرامية والعربية والعبرانية والسينائية واللحيانية وغيرها، وشجرة اللغات الهندوأوروبية التي تشمل السنسكريتية، والفارسية والبهلوية والدرية والجرمانية والإنجليزية والفرنسية غيرها. وهكذا سائر الأشجار اللغوية الأخرى.
سواء قلنا بالنظرية الدينية التي تُرجع كل اللغات إلى اللغة السريانية لغة النبي نوح عليه السلام، الذي انقسم الناس من بعده إلى عدة أقوام رئيسيين، هم الساميون والحاميون واليافثيون، ثم انقسم كل منهم فيما بعد إلى أقوام ولغات متعددة. ويشهد له انقسام الإبراهيميين إلى العدنايين العرب واليعقوبيين العبرانيين، مع أنهم أبناء أب واحد قريب.
أو قلنا بالنظرية الوضعية، التي تختلف معها في بعض التفاصيل والتقسيمات، ولكن على التقديرين فإن اللغات ترجع في أصولها إلى مجموعات أصغر، ثم أصغر، إلى أن تتوحد في لغة واحدة.
ومما يؤيد هذا الأمر ما اشتهر من اشتراك عالمي في بعض الألفاظ أو بعض الدلالات المعنوية لبعض الحروف. وكل ذلك يتأيد بقوله تعالى في محكم كتابه الكريم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"[15]، وقوله عز من قائل: " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ"[16].
وكذلك رجوع الاختلاف العرقي واللوني إلى شخص واحد، فإنه غير مشكل. وها نحن نرى مثيلاتها في التفاوت النباتي والحيواني، مع أنها بالنتيجة لا بد وأن ترجع إلى مخلوق واحد. وقد ورد في الأحاديث إشارة إلى ذلك، في سبب تسمية آدم كالخبر المروي في البحار؛ قال: أتى أمير المؤمنين يهودي فقال: لم سمي آدم آدم، وحواء حواء ؟ قال: إنما سمي آدم آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل عليه السلام وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات: طينة بيضاء وطينة حمراء، وطينة غبراء، وطينة سوداء، وذلك من سهلها و حزنها.
ثم أمره أن يأتيه بأربع[ـة] مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرغ الماء في الطين، وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينيه، و جعل الماء المر في أذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه، وإنما سميت حواء حواء لأنها خلقت من الحيوان[17].
ثم إن لاختلاف الأرض والجو والماء وتفاعل البشر في مسيرة حياتهم الطويلة بمفردات الطبيعة أثراً على جيناتهم ومورثاتهم، فلتكن هي من أسباب ذلك التنوع. وما أجمل قوله تعالى: "فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"[18]!.

آدم عليه السلام واحد لكل الأرض
وثالثاً: أن القول بأن لكل منطقة آدماً مثير للدهشة حقّاً، ولا يحتاج لتكلف عناء الرد عليه، ولا سيما وأنه يفترض أن منطقتنا، التي هي مركز العالم، ومركز النبوات، ومهد الحضارات البشرية، تقع في آخر مناطق العالم من حيث الترتيب الآدمي، فآدمنا لم يمض عليه أكثر من خمسة عشر ألف عام، بينما آدم بكين وجاوة وجنوب أفريقيا وغيرهم قد مرّ عليه ما لا يقل عن مليون عام.
سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن
أضف إلى أن هذا الكلام لا يتم حتى لو تمشينا مع هذه النظرية، فإن أصحابها يقولون: إن المنطقة شهدت إنسان نياندرتال في العراق وفلسطين وهو ما يرجعونه إلى ما بين مائة ألف وخمسين ألفاً أو خمسة وثلاثين ألف سنة قبل التاريخ[19]. بل وذكرت بعض الكشوفات العثور على إنسان بكين في بعض مناطق العراق ومصر وفي ألمانيا القريبة نسبياً منا[20]، بل واكتشفوا بعض الأجساد التي ترجع إلى ثلاثة ملايين ونصف إلى أربعة ملايين سنة في أريتريا[21]! وبعد هذا كيف يمكن القول إن لكل منطقة آدماً؟!
إن أصحاب النظرية أنفسهم لا يدعون ذلك بل يقولون: إن الأجناس التي سبقت البشر مروا بمراحل من التطور والتكامل لا يصح إطلاق اسم الانسان عليها، فيسمونه تارة الإنسان القرد، والغوريلا، وذلك قبل الإنسان العاقل. وأين هذا الكلام من القول إن آدم وهو الإنسان الأول العاقل السوي، لم يكن أبا جميع البشر العقلاء الحاليين. أما أصل التشابه، ووجود أجناس تشبه الجنس البشري فلا دليل على نفيها في المصادر الوحيانية.
النسناس سبق بني آدم فوق الأرض

بل يمكن تأييدها ببعض الشواهد، كمسألة الوحدة في النظام، والتشابه البين بين خلق كل المخلوقات الحية، في مراحل ولادتها ونموها، حتى النباتات، فضلاً عن الأسماك، وسائر الحيوانات، كما يشهد لها أيضاً بعض الروايات، مثل الخبر الذي نقله القطب الراوندي في كتابه قصص الأنبياء، ونحن نورده بكامله، لما له من الفوائد الجمة، وما يقدمه من إضاءات في هذا المجال، وإن كنا لا نقول به بتفاصيله، فهو مجال بنفسه يحتاج إلى البحث والتحقيق.
قال في (الباب الأول ) تحت عنوان: ( ذكر خلق آدم وحواء عليهما السلام ) ما نصه:
أخبرني الشّيخ عليّ بن عليّ بن عبد الصّمد النّيسابوري، عن أبيه، أخبرنا السّيد أبو البركات عليّ بن الحسين الجوزي، أخبرنا الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، أخبرنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قالا: أخبرنا سعد بن عبد الله أخبرنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، أخبرنا الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام)؛ هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم - عليه السلام - وذرّيته ؟
فقال: نعم قد كان في السّماوات والأرض خلق من خلق الله يقدّسون الله، ويسبّحونه، ويعظّمونه باللّيل والنّهار لا يفترون، وأنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق الأرضين خلقها قبل السّماوات، ثم خلق الملائكة روحانيّين لهم أجنحة يطيرون بها حيث يشاء الله، فأسكنهم فيما بين أطباق السّماوات يقدّسونه في اللّيل والنّهار، واصطفى منهم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل، ثم خلق عزّ وجّل في الأرض الجنّ روحانيين لهم أجنحة، فخلقهم دون خلق الملائكة، وخفضهم أن يبلغوا مبلغ الملائكة في الطيران وغير ذلك، فأسكنهم فيما بين أطباق الأرضين السّبع وفوقهنّ يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون، ثم خلق خلقاً دونهم، لهم أبدان وأرواح بغير أجنحة، يأكلون ويشربون، نسناس أشباه خلقهم وليسوا بإنس، وأسكنهم أوساط الأرض على ظهر الأرض، مع الجن، يقدّسون الله اللّيل والنّهار لا يفترون.
قال: وكان الجن تطير في السّماء، فتلقى الملائكة في السّماوات، فيسلمون عليهم ويزورونهم ويستريحون إليهم ويتعلّمون منهم الخير. ثمّ أنّ طائفة من الجن والنّسناس الّذين خلقهم الله وأسكنهم أوساط الأرض مع الجن، تمرّدوا وعتوا عن أمر الله، فمرحوا وبغوا في الأرض بغير الحقّ، وعلا بعضهم على بعض في العتوّ على الله تعالى، حتّى سفكوا الدماء فيما بينهم، وأظهروا الفساد، وجحدوا ربوبيّة الله تعالى.
قال: وأقامت الطائفة المطيعون من الجن على رضوان الله تعالى وطاعته، وباينوا الطائفتين من الجن والنسناس اللّذين عتوا عن أمر الله.
قال: فحط الله أجنحة الطائفة من الجنّ الّذين عتوا عن أمر الله وتمرّدوا، فكانوا لا يقدرون على الطّيران إلى السّماء وإلى ملاقاة الملائكة، لما ارتكبوا من الذّنوب والمعاصي قال: وكانت الطائفة المطيعة لأمر الله من الجنّ تطير إلى السّماء اللّيل والنّهار على ما كانت عليه، وكان إبليس ـ واسمه الحارث ـ يظهر للملائكة أنه من الطائفة المطيعة.
ثم خلق الله تعالى خلقاً على خلاف خلق الملائكة، وعلى خلاف خلق الجن وعلى خلاف خلق النسّناس، يدبّون كما يدبّ الهوام في الأرض، يشربون ويأكلون كما تأكل الأنعام من مراعي الأرض، كلّهم ذكران ليس فيهم أناث، ولم يجعل الله فيهم شهوة النّساء، ولا حبّ الأولاد، ولا الحرص، ولا طول الأمل، ولا لذّة عيش، لا يلبسهم اللّيل، ولا يغشاهم النّهار، وليسوا ببهائم ولا هوام ولباسهم ورق الشجر، وشربهم من العيون الغزار والأودية الكبار.
ثم أراد الله يفرقهم فرقتين؛ فجعل فرقة خلف مطلع الشّمس من وراء البحر، فكوّن لهم مدينة أنشأها لهم تسمّى « جابرسا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن عليها سوراً من حديد يقطع الأرض إلى السّماء، ثمّ أسكنهم فيها، وأسكن الفرقة الأخرى خلف مغرب الشمس من وراء البحر ، وذول[22] (وبنقل المجلسي: فكوّن)[23] لهم مدينة أنشأها تسمّى « جابلقا »، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوّن لهم سوراً من حديد يقطع إلى السماء، فأسكن الفرقة الأخرى فيها، لا يعلم أهل جابرسا بموضع أهل جابلقا، ولا يعلم أهل جابلقا بموضع أهل جابرسا، ولا يعلم بهم أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، وكانت الشّمس تطلع على أهل أوساط الأرض من الجنّ والنّسناس، فينتفعون بحرّها ويستضيئون بنورها، ثمّ تغرب في عين حمئة، فلا يعلم بها أهل جابلقا إذا غربت، ولا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت، لأنّها تطلع من دون جابرسا، وتغرب من دون جابلقا.
فقيل: يا أمير المؤمنين؛ فكيف يبصرون ويحيون؟ وكيف يأكلون ويشربون؟ وليس تطلع الشّمس عليهم؟ فقال (عليه السلام): إنّهم يستضيئون بنور الله، فهم في أشدّ ضوء من نور الشّمس، ولا يرون أن الله تعالى خلق شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا كواكب، ولا يعرفون شيئاً غيره فقيل يا أمير المؤمنين : فأين إبليس عنهم؟
قال: لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره، لا يعرفون إلاّ الله وحده لا شريك له، لم يكتسب أحد منهم قطّ خطيئة ولم يقترف اثماً، لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون، يعبدون الله إلى يوم القيامة لا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء.
قال: إنّ الله أحبّ أن يخلق خلقاً، وذلك بعد ما مضى من الجن والنّسناس سبعة آلاف سنة، فلمّا كان من خلق[24] الله أن يخلق آدم، للّذي أراد من التّدبير والتّقدير، فيما هو مكوّنه من السماوات والأرضين، كشف عن أطباق السّماوات، ثم قال الملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ والنّسناس، هل ترضون أعمالهم وطاعتهم لي؟ فاطلعت الملائكة، ورأوا ما يعملون فيها، من المعاصي وسفك الدّماء والفساد في الأرض بغير الحقّ، أعظموا ذلك وغضبوا لله، وأسفوا على أهل الأرض، ولم يملكوا غضبهم وقالوا: ربّنا أنت العزيز الجبّار الظّاهر العظيم الشّأن، وهؤلاء كلّهم خلقك الضعيف الذليل في أرضك، كلّهم ينقلبون في قبضتك، ويعيشون برزقك، ويتمتّعون بعافيتك، وهم يعصونك بمثل هذه الذّنوب العظام، لا تغضب ولا تنتقم منهم لنفسك بما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك.
قال: فلمّا سمع الله تعالى مقالة الملائكة قال: إنّي جاعل في الأرض خليفة، فيكون حجّتي على خلقي في الأرض، فقالت الملائكة: سبحانك ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟
فقال الله تعالى: يا ملائكتي إني أعلم ما لا تعلمون، إنّي أخلق خلقاً بيدي، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معصيتي، وينذرونهم ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، أجعلهم حجّة لي عذراً ونذراً، وأنفي الشّياطين من أرضي وأطهّرها منهم، فأسكنهم في الهواء من أقطار الأرض وفي الفيافي، فلا يراهم خلق، ولا يرون شخصهم، ولا يجالسونهم، ولا يخالطونهم، ولا يؤاكلونهم ، ولا يشاربونهم، وأنفرّ مردة الجنّ العصاة عن نسل بريّتي وخلقي وخيرتي، فلا يجاورون خلقي، وأجعل بين خلقي وبين الجانّ حجاباً، فلا يرى خلقي شخص الجنّ، ولا يجالسونهم، ولا يشاربونهم، ولا يتهجّمون تهجّمهم، ومن عصاني من نسل خلقي الّذي عظّمته واصطفيته لغيبي أسكنهم مساكن العصاة وأوردهم موردهم ولا أبالي فقالت الملائكة: لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم، فقال للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمإٍ مسنون، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
قال: وكان ذلك من الله تقدمة للملائكة قبل أن يخلقه احتجاجاً منه عليهم، وما كان الله ليغيّر ما بقوم إلاّ بعد الحجّة عذراً أو نذراً، فأمر تبارك وتعالى ملكاً من الملائكة ، فاغترف غرفة بيمينه، فصلصلها في كفّه فجمدت، فقال الله عزّ وجلّ: منك أخلق[25].


سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف.


[1] (البقرة: 30).
[2] (آل عمران: 33).
[3] (ق: 15).
[4] التوحيد: ص277.
[5] (بحار الأنوار: ج11 ص104).
[6] (الذاريات: 56).
[7] (ص: 71 و72).
[8] (الأعراف: 12..
[9] الأعراف: 26.
[10] (الأعراف: 27)
[11] (الأعراف: 172).
[12] (الإسراء: 70).
[13] (الحجرات: 13).
[14] (القيامة: 36 - 39).
[15] (الحجرات: 13).
[16] (الروم: 22).
[17] بحار الأنوار: ج11 ص102.
[18] الرعد: 4.
[19] سورية في العصور القديمة، من الموسوعة العربية، سلطان محيسن.
[20] المصدر نفسه.
[21] شعائر الموت ومعتقداته في المشرق العربي القديم، بشار خليف.
[22] لعلها: ودوّل، بالدال المعربة غير المنقوطة.
[23] انظر: بحار الأنوار، للعلامة المجلسي: ج54 ص323).
[24] في بعض النسخ المطبوعة: فلما كان من شأن الله.
[25] (قصص الأنبياء، لقطب الدين الراوندي: ص35- 48).


التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
القوالب

(1 ثيم)
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011