مهدي.JPG
اللطف الإلهي في العاطفة الإجتماعية
القسم : كتاب الفضيلة
نشره سماحة الشيخ مهدي صالح الجمري في 2015/11/14
سماحة الشيخ مهدي صالح الجمري

قد يقتنع الإنسان بشيءٍ ما عن دليل قاطع و حجة واضحة و لكنْ قد لا يتعدى هذاا الاقتناع عقله و إيمانه النظري و لا يترقى إلى واقعه السلوكي و العملي.
ثم إن هذه القناعة يمكن التشكيك فيها و السيطرة عليها بأساليب كثيرة ما دامت لا تتعدى واقعها النظري.
أما إذا كانت القناعة أو الفكرة مرتبطة بالعاطفة فحتى لو كانت خلاف العقل و خلاف الدليل فإنها تؤثر أثرها في النفس، و كثيرًا ما تتعدى إلى واقع الإنسان السلوكي، فما بالك إذا كان لها تبريرها العقلي و دليلها العلمي؟! إن العاطفة أخطر المستويات في شخصية الإنسان، إنها تتضمن الميول و الإتجاهات و القيم، إنها تتمكن من نفس الإنسان فتتجلى على سلوكه، إنها متعلقة بداخل الإنسان.
إن للعاطفة نحوٌ من الديمومة، فهي ليست مجردَ انفعالٍ نفساني حدث في حالةٍ ما، لا.. إن وجود عاطفة ما يعني وجود حالة نفسية لها نسبة من الشدة و التمكن و التجدد في نفس الإنسان، و يترتب عليها تجدد في الموقف و السلوك الذي يوافقها في الحالات و الظروف المختلفة.
ثم إن تكوين عاطفة على مستوى مجتمع بأكمله يحتاج إلى مواقف حياتية لها ارتباطط وثيق جدًا بحياة المجتمع و لها قدرة على تحفيزه و إثارته، و زرع انفعالات جياشة في نفوس أفراده، إن تكوين هذه العاطفة يحتاج إلى مواقف حياتية تنفذ إلى داخل أفراد المجتمع و تتمكن من نفوسهم.
و هذا صعبٌ جدًا لأنك تحتاج لتحقيق ذلك إلى فهم المجتمع و دراسته أولاً و تحتاج إلى التمكن و القدرة على مفاصل عديدة في حياة المجتمع.
و نظرًا إلى طبيعة المجتمع المعقدة فإن هذه العاطفة عادةً تحتاج إلى تدرج و مدة زمنية لكي تتكون في المجتمع، ولذا فإنها قد تواجه متغيرات و معوقات تحول دون حدوثها، و هذا ما يحتاج إلى دراسة للحوادث المستقبلية التي تمنع من حصول العاطفة الإجتماعية.
و لأنّ المجتمع في حركة دائمة و تغير مستمر، فإن هذه العاطفة مهددةٌ بالزوال دائمًا، فكم ستبقى في المجتمع؟ هل ستبقى جيلًا أم جيلين أم أكثر؟ إن مصيرها في نهاية الأمر إلى الزوال شيئًا فشيئًا.
و من هنا يمكن أن ندرك اللطف الإلهي العظيم الذي يكمن في قضية الحسين (ع)، فإنه بمجرد أن استشهد تكونت عاطفة شديدة في نفوس المسلمين، عاطفة مباركة قد استمرت إلى يومنا هذا رغم كل الظروف التي مرت بها المجتمعات المسلمة.

و هذا اللطف الإلهي ميّز (ليالٍ عشر) بأيامها خلال السنة بميزة عظيمة يكون الناس خلالها في أقصى درجات الفوران العاطفي، فأي كلمة مرتبطة بفاجعة الطف تهز وجدان الناس، و تتمكن من قلوبهم و جوارحهم و تجدهم متوجهين بأسماعهم و أبصارهم و أبدانهم و قلوبهم نحو المنبر الحسيني.
إنّ هذ الانفعال العاطفي ليس على مستوى أفرادٍ بل على مستوى مجتمع، إنها ظاهرة و ليست حالات بسيطة هنا و هناك. و هنا تكمن روحٌ -إن صح التعبير- و قوةٌ منبعثةٌ في نفوس الناس بلطفٍ من الله سبحانه بإمكانها أن تجعل المنحرف فاضلاً، و الجاهل عالمًا، روحٌ بإمكانها أن تغير مجتمعًا بأكمله و أن تخلق مسارًا منيرًا في وسطه لا يوصل إلى مكان غير الجنة، جنة الدنيا و الآخرة، و ذلك لما قدمناه من خطورة العاطفة و أنها توجه الإنسان في حياته في ميوله و قيمه و سلوكه.
و بعظمة هذا اللطف الإلهي تتوجه مسؤولية عظيمة نحو الخطباء في الربط بين عاطفة الناس المتقدة و بين عقولهم، فإذا وفق الخطباء (أيّدهم الله) إلى الربط بين العاطفة و الفكر ربطًا يجعل الفكرة روحًا في وجدان مدركها، و زاوجوا بين العقل و العاطفة فإن ما ينولد عن ذلك هو القيم و الأخلاق و الدين لا على مستوى أفراد بل على مستوى مجتمع انفعل بقضية الحسين ففزع إلى منبره، و بهذا نصل إلى المجتمع السوي الصالح.
عظم الله أجور خطبائنا الكرام على ما قدموه في هذا الموسم، و أسأل الله تعالى أن يوفقهم في تأدية المسؤولية العظيمة الملقاة عليهم
.