.. الله يَفتَحُ البابَ، وأنا أغلِقُهُ ..
بقلم سماحة الشيخ أحمد نصيف في 2016/9/18
( عدد القراءات 6359 )


بعد كلِّ ما فعله، مع نفسِهِ، ومع غيرِه، يجلسُ منفردًا لأيامٍ، وقد تطولُ هذه الأيام، ولكنَّه لا يجد مفرًّا من هذا الجلوس؛ لأنَّ جميع الأبواب باتت مُغلَقَةً عليه، ولا ينفذ منها خيطُ أملٍ واحدٍ، إلاَّ بابٌ واحدٌ واسعٌ، تنبعثُ منه أنوارُ الهدايةِ والوِقاية، وتفيض منه نفحاتٌ قُدسيَّة، معروفٌ هذا الباب عند الكلِّ دون استثناء، لكنَّ بعضَهم يغفل أو يتغافل عنه، وبعضٌ تشخصُ أعينهم إليه راجين الزُّلفة إليه والقُرب منه فالدُّخول فيه.
   ومن هذا البعضِ الآخرِ ذاك الذي جلس منفردًا لأيَّامٍ، إنَّه يعرف هذا الباب تمامًا، بل لا يعرف حينها شيئًا غيرَه، ويرى بوضوح اسمَه مكتوبٌ أعلاه: «التَّوبَة»!.

   يصِلُ إلى نتيجةٍ بعد طولِ مكثِهِ وحيدًا هو ونفسُه، وهي أن يخطوَ بِضعَ خُطُواتٍ نحوَ الطَّريق الأتمِّ الموصِل لذاك (الباب).
   فيذهبُ -بعد انقطاعٍ طويلٍ، أو لأول مرَّةٍ- إلى «المسجد» خائفًا مُتَرقِّبًا، من أعيُن النَّاسِ وألسنتِهم. يُصلِّي صلاةَ الذَّليل المُستحقِر لنفسِه وعملِه، ويتجنَّبُ الاختلاط بعموم (المؤمنين) حينها، بل يرجع خطواتٍ بعد فراغِهِ من أداء واجبِهِ، ويخرُجُ من المسجدِ عائدًا لمقرِّ جلوسِه المُوحِش.

   بعد سويعاتٍ قليلةٍ، أو ساعات، يصلُهُ كلام بعض (المؤمنين) الذين شهدوه في رحلته الصَّعبة إلى المسجدِ ورجوعه منه، ومن أقوالهم الجميلة:
 • يا لَلعجب، ما الذي أتى بهذا الشَّخص إلى المسجد الطاهر؟! إنَّه شخصٌ معروفٌ بارتكابه المُحرَّمات، وترك الصَّلاة!.
 • نعم، إنَّه معروفٌ بالسَّرقة، وأنه يواظبُ على أذيَّة أهله وجيرانه!، ينبغي أن نبعِدَه عن هذا المكان الطَّاهر.
 • أوَيعرف أن يصلِّيَ هذا الشَّخص؟! هل يعرف كم ركعةً للظهر وكم ركعةً للمغرب؟!
 • هل رأيتُمُوه كيف هي صلاتُه؟ لا أذان فيها ولا إقامة.
 • بل كان قليل المكث في الرُّكوع والسُّجود، بالتَّأكيد هو لا يذكر المستحبَّات.
 • نعم، ولم نرَه يصلّي نوافل الفريضة، بل اقتصر فقط على ركعاتٍ وسجداتٍ جافَّة.
 • ألم تنظروا لسوء أدبِهِ؛ كيف أنه دخل المسجد ولم يُسلِّم على أحدٍ وخرج كذلك؟ إنَّه إنسانٌ متكبِّرٌ مغرور، لا شكَّ بأنَّ ركعاته الخاوية لن تنفعه!.
   وغيرها، وغيرها، وغيرها...

   حينئذٍ، يبدأ الضوءُ المشعشِع من ذاك (الباب) بالاختفاء شيئًا فشيئا، إنَّه لا يرى بصيص أملٍ، إنَّه يحومُ في دوَّامةٍ مُظلِمَةٍ لا مخرجَ فيها!، تمضي أيامٌ قليلة، ونرى هذا الشَّخص قد عاد لسيرته الأولى، بل أكثر!.
   يتحدَّثُ بعض (المؤمنين) فيما بينهم: ألم نقل لكم بأنَّه خبيثٌ وليس أهلاً للأماكن الطَّاهرة كالمساجد ومجالسنا مجالس الذِّكر، لقد بان على حقيقته المعروفة!.

   لقد نظرنا -عن بُعدٍ- هذا المشهد المُتكرِّر في مجتمعنا بنحوٍ غيرِ قليل، وسأكتفي بذكر بعض الأخبار الشَّريفة التي وردت عن المعصومين (عليهم السلام):
  - عن رسول الله (صلَّى اللهُ عليهِ وآله) قال: «لا تذمُّوا المسلمين، ولا تتبَّعوا عوراتِهم؛ فإنَّه من تتبَّع عوراتهم تتبَّع اللهُ عورته، ومَن تتبَّعَ اللهُ عورتَه يفضحُهُ ولو في بيتِهِ».
  - عن أبي عبدالله (عليه السَّلام) قال: «مَن عيَّرَ مُؤمنًا بذنبٍ لَم يمُت حتَّى يركَبَه».
  - عن رسول الله (صلَّى اللهُ عليهِ وآله) قال: «من أذاع فاحشةً كان كمُبتديها، ومن عيَّر مؤمنًا بشيءٍ لم يَمُت حتَّى يركبه».
  - عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: «إنَّ أقربَ ما يكونُ العبدُ إلى الكُفر أن يواخي الرَّجلَ على الدين فيُحصي عليه زلاَّتِه لِيُعَنِّفَهُ بها يومًا ما».

   وهنا سؤالٌ وكلمة:
 • أيَفتَحُ اللهُ بابَ التَّوبَةِ، وأنَا وأمثَالي نُغلِقُهُ!؟

 • ماذا لو أمسكنا بيدِه حينها، ورحَّبنا به أفضلَ ترحِيب، وحاولنا أن نضُمَّه إلى صفوفنا في الجماعة؛ ليتعلَّم ما يجهله بطريقٍ غيرِ مباشر، ومن ثَمَّ دعوناه للجلوس معنا في مجالسنا، والحديثِ الحسنِ معه في الإيمانيَّات والأخلاقيَّات، وتكاتفنا معه للشُّروع في خدمةٍ تطوُّعيَّة تخدم أبناء القرية -مثلاً-. ماذا لو فعلنا ذلك؟ ما هي النَّتيجة؟ أهي كالسَّابقة التي مآلها إلى الفساد والإفساد؟ هيهات لها أن تكون.


   وهمسةٌ أخيرةٌ قبل الاعتذار على الإطالة:
   إنَّ خطيئة الفئة السَّابقة من (المؤمنين) أكبرُ بمرَّاتٍ من خطيئة ذاك الذي قصد باب (التَّوبة)

   ومنكم العُذر على الإطالة...


أحمد نصيف البحرانيّ
٦ من ذي الحجَّة ١٤٣٧ للهجرة

تنقل بين المقالات
المقالة السابقة نصرة الإمام الحسين في الإمام المهدي (عليهما السلام) نَحْنُ أَهْلُ عَقْلٍ المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
القوالب

(1 ثيم)
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011