نَحْنُ أَهْلُ عَقْلٍ
بقلم سماحة الشيخ أحمد نصيف البحرانيّ في 2016/1/18
( عدد القراءات 11566 )

بسم الله الرحمن الرحيم

   يقول مولانا الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «لمَّا خلق اللهُ العقلَ استنطَقَه، ثم قال له: أقْبِلْ فأقْبَلَ، ثمَّ قال له: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. ثُمَّ قال: وعِزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا هو أحبُّ إليَّ مِنكَ، ولا أكملتُكَ إلاَّ فيمَن أحَبُّ، أما إنِّي إيَّاك آمُرُ وإيَّاكَ أنْهَى، وإيَّاكَ أُعَاقِبُ وإيَّاكَ أُثِيْبُ».

   أرى كما يرى غيري أنَّ الكامل كاملٌ بالعقل، وأكثر من ذلك فهو محبوبُ الله تعالى.
   فلولا العقل لما كانت هناك فائدة من معيشتنا، وهو الذي يحقّق سعادة المرء، ويرشده للصواب ويبعده عن الخطأ، أظنُّكم تتَّفقون معي، ولكن قبل أن تجيبوني، هنا سؤالٌ جالَ بخاطري، وهو: إذا كان العقل هو الذي يحقّق السعادة والكمال، فلماذا يجري النّزاع بيننا، وتتولَّد المشاحنات والمعارك في محادثاتنا خِطابيًّا وكِتابيًّا، ألسنا كُلُّنا عقلاء، نعمل وِفقَ ما وجَّهنا عقلنا؟

   لا شَكَّ أنَّ من سأل هذا السؤال حاز على عقلٍ نظيفٍ وروحٍ طيِّبة، وفي الجواب عليه أقول:

   إنَّ الذي يدرس العلوم الطّبيّة قد يخطئ في معالجته، فلا يعمل وفق ما تعلّمه من بحوث ودراسات، وقد ينسى بعض الأدوية، وقد يخطئ تشخيص بعض الأمراض فيعطي دواءً لغير دائه، وقد، وقد، وقد. ولكن هل هذا يدلُّ على خطأ المعلومات التي تعلَّمها، أو نقصٍ فيها أو خلل، أو أنَّه يدلُّ على أنَّ الطبيب لم يلتزم بقواعد طِبِّه وتعليماته، بل عمل على شيء مغايرٍ لها. أظُنُّ أن القارئ قال: الاحتمال الثاني.
   وجوابك صحيح؛ وهو أنه لم يلتزم بقواعد طِبِّه، فحينئذ لا يُنسَب الخطأ إلى علم الطّبّ، بل إلى العامل المدّعي الطبابة، أي: الطبيب، وهذا الأمر لا يدعونا لترك الطّب، بل يدفعنا لإتقانه جيّدًا وحفظه وفهمه بالنّحو المطلوب.
   كذلك الكلام حول سؤالك الذي تفضّلتَ به، فالله (سبحانه وتعالى) خلق الإنسان وشرَّفه بالعقل على سائر المخلوقات، ومع ذلك نراه يخلق المشاكل ويولِّد المنازعات والمغالطات، فهل هذا دليلٌ على عدم صوابية العقل؟ نعوذ بالله من ذلك، بل هذا دليلٌ واضحٌ بأنَّه لم يستخدم موازين العقل بشكلٍ صحيح، كما أنَّ الطبيب لم يستخدم موازين الطّب كما ينبغي له عندما أخطأ في معالجة المريض فقتله!.
   فالذي يستخدم عقله لا يحيد عن الصواب غالبًا، ولا أعني بذلك أنه حصل على جميع المعلومات فصار أعلم البشر، بل أقصد أن القدرة المفكِّرة المُقنّنة صارت فاعلةً عنده، إذ أنَّ العقل: هو القوّة التي نميّز بها الأمور وندرك بها الخير والشرّ.
   ويترتَّب على هذه الإجابة سؤالٌ قد يكون أهمّ من فائته، وهو: ما هي قواعد العقل، وبعبارةٍ أخرى: ما هي قواعد التفكير الصحيح التي لو التزم بها العقل لنجى عن المغالطات والمنازعات، ولتوصّل للأصوَب برفقٍ ولِين، ولم يجد في طريقه ما يعكّره من أوهام أو أبواب مغلقة ضاع مفتاحها، ما هي هذه القواعد؟
   هذا السؤال يأخذ بأيدينا لتحقيق إنسانيّتنا التي أرادها الله تعالى لنا، فنحن نريد أن نحترم عقولنا ونكمّلها، وربُّنا (جلَّ في علاه) يحبُّ عبده إذا كمل عقله، وبقي علينا الجدّ والاجتهاد في سبيل تحصيل جوابنا. وبما أنَّ السؤال مهمٌّ جدًّا، فالجواب مثله في الأهميّة بل أكثر، فنشرع في إجابة السؤال بحول الله وقوّته تعالى:

   إنَّ العلم الذي يعتني بـ(العقل) هو العلم الموسوم بـ(المنطق)، ولا يقصدون بالمنطق النُّطق باللِّسان فهذا شأن علوم اللغة، بل يقصدون به النُّطق الباطنيّ، أي: القوة المدركة المجودة في باطن الإنسان، التي تنطق بالأفكار والمعلومات، فهذا العلم هو ضالَّت طلاّب الحكمة التي ينشدونها.
   وأرى أنَّك قد تهيَّبتَ من العنوان، أو استغربتَه، أعلم هذا، والمؤسف أن هذا العلم قد غُرِّبَ في أوساطنا، وبات يلفظه الجميع ويرفضه دون أن يعلموا ما بداخله من كنزٍ، وقد طُرِد من مدارسنا، وشُرِّد من بيوتنا ومجالسنا، فغدى لا يحصل على مأوًى إلاَّ في الغرب، فرفعه ثُلّةٌ عظمى منهم، وفازوا به ونجحوا، وخسرناه نحن وخِبنا، فوا أسفي على استيحاشنا من عنوانه، ووا أسفاه على حالنا.
   إنَّ هذا العلم يعرِّفه أهله بأنَّه: «آلةٌ قانونيَّةٌ تعصِمُ مراعاتها الذّهنَ عن الخطأ في التَّفكير»، وهذا أخر قد يكون أكثر وضوحًا: «هو علمٌ يبحث عن القواعد العامَّة للتفكير الصحيح».
   وموضوع هذا العلم: التعريف والاستدلال. ومعنى ذلك: أنَّ مباحث هذا العلم ومسائله تدور حول هذين العنوانين (التعريف والاستدلال).
   ولنضرب مثالَين على أهمية كلا العنوانين لتتّضح الصورة:

 (١) كثيرٌ من الناس تطالب بالحريّة، إن لم يكن كلُّ الناس، ولكن ما هي (الحُرّية)، هل هي أن لا أقبل بأي قانونٍ وأعمل كما تشاء لي نفسي؟ أو هي أن أخرج على الأنظمة وأحاربها؟ أو هي أن يخرج الفرد عاريًا في وسط بلدته؟ إنّ المطالبة بعنوان (الحرية) أمرٌ مشكلٌ قبل أن نعرف معناه، وما هو المقصود منه؛ لأن كلّ شخصٍ سيفسّره كما يحلو له الأمر، ولن يستطيع أحد أن يلزم غيره بمعنى معيّن، إن هذه هي الفوضى بعينها، ومنها تظهر التشقّقات والنزاعات، فالإنسان الفطن يقف الآن على أهمية التعريف، وهذا المثال يبيّن ثمرةً واحدة، والغائبات أكثر منها.

 (٢) يقول الشّرع المطهّر بأنّ شَعْرَ الكلب نجسٌ، وبناءً على هذا يرى أحدنا شعر حيوان آخر فيحكم بنجاسته، وعندما تسأله: من أين لك بهذا الحكم، يجيبك: لأن كل شعر حيوان نجسٌ، وهذا حيوان، فشعرُ هذا الحيوان نجسٌ. دعنا نتوقَّف قليلاً، ونتساءل: من أين أتى بـ(كل شعر حيوان نجس)، سيجيبنا: لقد علمتُ بأن شعر الكلب نجس، وبما أن الكلب حيوان، خرجت بهذه الجملة التي اعترضتم عليها (القضية الكلّية). ومن هنا نعرف أنه وقع في اشتباه القياس، واستخرج قضيّة غير صحيحة من الكلب وحده، فهذا خطأ في استدلاله ويحتاج لقواعد كي يسير عليها ولا يخطئ، والخطأ في الاستدلال وقع في المادّة. وقد يأتي شخص آخر فيقول: لا أرى قول الأول صحيحًا، بل الصحيح أن يقول: بعض شعر الحيوان نجسٌ، وهذا شعر حيوان، فهذا الحيوان شعره نجس، أجيبه: لقد وقعتَ في خطأ آخر، إن قولك (بعض شعر الحيوان نجسٌ) صحيحٌ وسليم، ولكن هل لي أن أسألك: من أين عرفت أنَّ شعر هذا الحيوان الذي نتحدّث عنه هو من ذاك (البعض) الذي تفضّلتَ به؟ القارئ الكريم الذي يتابع الكلام، عرفتَ الآن أنَّ هنا خطأً في الاستدلال، ولكن هل هو كالأول؟ ليس كذلك، بل هذا الخطأ في هيئة القياس لا مادّته، وهذه الاصطلاحات (هيئة القياس - مادة القياس) نعرفها عندما تدخل في جمال علم المنطق.
   هل تشرّفت بأن تقف على أبواب ثمار (علم المنطق)؟، إن علمَ المنطق علمٌ محترم جدًّا، يرجعك لإنسانيتك، ويزيل عنك الضبابية والمغالطة، ويجنّبك الوقوع في المنازعات والمشاحنات الفكرية التي تتجسّد في الخارج، سيخدمك كثيرًا، وفي كل حياتك، ولا تعجب من ذلك إذا عرفت بأنه يُسمَّى (خادم العلوم).

   لا يخفى أني أطلتُ الكلام، والواقع أني لو أردت أن أنصف الموضوع حقّه لما انتهيت إلاّ بعد حين، ولكن قدّمتُ بما قدّمتُ وأنا متأسف من فقدان هذا الكنز الثمين من أوساطنا، وفي الوقت نفسه متشوّق لأن نهرولَ لتعلّمه ومدارسته وحفظه والاهتمام به، لبناء مجتمعٍ أذكى وأفضل وأنقى وأصفى.
   ومن اللطيف أن كتب هذا العلم ليست بقليلة، وبمستويات متعدّدة، وألسنة مختلفة، فلا صادّ يصدّنا عن اقتنائها وقراءتها، وفي هذا المجال فليُرجع لأهل الخبرة والتخصّص.

   أسأل الله تعالى لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات أن يجعل في قلوبنا نورًا وبصرًا وفهمًا وعِلمًا، إنه سبحانه وتعالى على كلّ شيء قدير، وصلّى الله على خير خلقه محمدٍ وآله الطاهرين.



أحمد نصيف البحرانيّ
٦ ربيع الثاني ١٤٣٧ هجريّة

تنقل بين المقالات
المقالة السابقة .. الله يَفتَحُ البابَ، وأنا أغلِقُهُ .. اللطف الإلهي في العاطفة الإجتماعية المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
القوالب

(1 ثيم)
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011