في رحاب كلمةٍ لأهل البيت (ع)
بقلم أحمد نصيف في 2014/4/15
( عدد القراءات 21327 )

بقلم: أحمد نصيف

بسم الله الرحمن الرحيم

ورد في أصول الكافي لثقة الإسلام الكليني (رض) حديث عن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام) أنه قال: «من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في الجنة؟ أنفق ولا تخف فقرًا، وأفشِ السلام في العالم، واترك المراء وإن كنتَ محقًّا، وأنصف الناس من نفسك».

تعالوا - أيها الإخوة والأخوات - فلنتوقف على بعض كنوز هذه الكلمات النورانية.
الإمام الصادق (عليه السلام) يعرض علينا عرضًا هو غاية في الأهمية، فهو (عليه السلام) يضمن لنا مساكن وبيوتًا في الجنة الخالدة فضلاً عن دخولها، ومتعلق الضمان هو القيام بأربعة أمور سهلة لا تكلّف شيئًا معسورًا، بل هي في غاية اليسر، ونبدأ بالوقوف على المقاطع الموجودة في الحديث الشريف بشيء من التوضيح للإنطلاق منه وغيره من كلمات المعصومين (عليهم السلام).

ما أجمَل الإنفاق في سبيل الله؛ لأن المتاجرة هنا تجارة لا تبور وحصاد لا ينفد، فـ{ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }، فالمفهوم الكلّي واضح؛ وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى، أما المصاديق فتتعدّد، فتارة بالصدقة، وتارة بالمساعدة لإعلاء كلمة الله، وتارة وتارة وتارة، هناك الطرق الواسعة في هذا السبيل، وما علينا إلاّ النيّة والتوكل على الله تعالى. وهنا إشارة لطيفة؛ وهي أن الإنفاق يكون من فاضل المال، فلا تكليف في المال المُحتاج إليه، بل في الفاضل من الحاجة، وينبغي أن لا يوهم الإنسان نفسه بأن المال الذي بيده كلّه للحاجة، بل هناك مالٌ فاضلٌ ولو كان قليلًا، وهو الذي ينظر في فاضله ويسعى لإنفاقه في سبيل الله، والحاصل أنه لا يخسره، بل ينمو ويزداد كما دلّت الآية الشريفة السابقة.
وأمّا إفشاء السلام، فالعبارة فيه لطيفة، إذ قال (عليه السلام): ’أفشِ‘، أي: انشره على جميع الأنام بكل ما استطعت، ليصدق حينها مفهوم الإفشاء بمعناه والواسع.
وأمّا ترك المراء، فهو الضمان الثالث، والمراء: هو الجدال والمنازعة، فإنّ ثمرة تركه لا تخفى على كل ذي فطرة سليمة؛ لأنه موجبٌ للغضب والحسد والبغض والكثير من الصفات الذميمة، وبالتالي تتلوّث النفس بأنواع المذمّات، وهذا واضح كالشمس في رابعة النهار، ولكن قوله (عليه السلام) فيه قيدٌ جميل و دقيق، وهو: ’وإن كنت محقًّا‘؛ لأن المراء كثيرًا ما يحصل في الأمور الوهمية والظنّية، فينتهي المراءون مصداقًا للآية الكريمة: {وَلاَ تَنازَعُواْ فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
و أمّا الجدال على ”الحق“، وهو الضمان الثالث؛ فمن المفترض أن يكون الطرفان متّفقين عليه حقّانيّته، ولكن بما أنّ هذا الأمر بابٌ يفتح لمكائد النفس والشيطان طُرُقًا وسُبُلا، وَجَّهَنا الإمام (عليه السلام) لتركه وتجنّبه، فهو أكمل للإنسان وأطهر، ومن ثماره التآخي والمحبّة، إلاّ أن يكون لإظهار حق أمام طوفان باطل فالحكم حينئذٍ مختلف.
أمّا بالنسبة للضمان الرابع، فهو غاية في الأخلاق الحميدة وقمة في السجايا المجيدة، وهو قوله (عليه السلام): ”وأنصف الناس من نفسك“، فما تقبله لنفسك اقبله لغيرك، وما تراه يخدش فيك - ولو قليلاً - لا تقبله لغيرك أبدا، وكُن منصِفًا، وملتزمًا العدلَ في المخالطة والمعاملة، فقبلَ أن تلومَ أحدًا على خطإ فعَلَه، ضع نفسك في مكانه، وانظر .. هل كان يقصد فعل ذلك؟ ولو كان كذلك فهل ما فعله ناشئٌ من بغض وكراهية أو أنه ردّة فعل، أو كان مجبرًا؟ والمحامل كثيرة جدًّا، فعندئذ تعمل الفطرة السليمة بالإنصاف، لا تتعلَّمْ اللَّومَ، بل ينبغي أن يكون العفو والمسامحة عنوانًا لك.
ترى لو أننا جعلنا هذا الحديث وأمثاله برنامج عمل لنا، بحيث جعلناه كانت سلوكًا لنا في ثقافتنا العامّة، وفي مجتمعنا الإسلاميّ، لعمَّ العدل جميع الأمصار، وارتفع الجور عن بني البشر، لأنها آداب تقبلها كل فطرة سليمة، ولو غضضنا النظر عن كونها صادرة من المعصوم (عليه السلام) لما كان فرق في آثارها العاجلة، فهي علاجات لمئات المشكلات.



تنقل بين المقالات
المقالة السابقة أنت الفاعل والحاكم والشاهد مراتب خلاص الإنسان من الشيطان المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011