لا يوم كيومك يا أبا عبدالله!
بقلم سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف في 2013/11/13
( عدد القراءات 489 )

بقلم سماحة الشيخ عبدالحسن نصيف: لم تستحوذ حادثة في التاريخ على قلوب المؤمنين كما فعلت النهضة الحسينية، ولم تسيطر على المشاعر كما فعلت الشعائر الحسينية، مصداقاً لقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: " إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً". وعلى مر التاريخ كانت هناك نهضات وتضحيات وجرائم بشعة يندى لها جبين البشرية، غير أنها لم تتمكن من التغطية أو التأثير على النهضة العملاقة في كربلاء، ولا أن تناظرها في بشاعة الجريمة وفداحة الخطب، كما قال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: " لا يوم كيومك يا ابا عبد الله ". وأما شعار " كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء "، فهو وإن صح من بعض الجهات إلاّ أنه ليس بحديث مأثور، ولا يمكنه مواجهة الأحاديث المستفيضة في خصوصية كربلاء وتميّز عاشوراء، حتى أنها صارت عجيناً مع خلطة الاسلام والدين. ومن هنا اتخذت الشعائر الحسينية طابعاً آخر متميزاً، تتجدد في كل عام، وتقوى أكثر في كل سنة، مكتسبة صفة القداسة والحصانة، مع ما بذلته وبذله اصحابها من أثمان باهظة على طول الخط، قدمت في سبيلها الأرواح رخيصة، وتحملت من اجلها النفي والتشريد، بدءاً من اليوم الأول للواقعة، ومروراً بكل الحكام الطواغيت والدول المتجبرة التي منعت إحياء المناسبة بكل ما يمكن لذهن الإنسان ان يتصور من اساليب القهر والعقاب والحصار الجماعي. يقول صاحب المقاتل: " وكان المتوكل شديد الوطأة على آل ابي طالب، غليظاً على جماعتهم مهتما بأمرهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له ان عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه احد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك ان هدم قبر الحسين ( عليه السلام ) وعفى آثاره، ووضع على سائر الطريق مسالح له لا يجدون أحداً زاره الا اتوه به فقتله او انهكه عقوبة. ويضيف ابو الفرج الاصفهاني: " بعث المتوكل برجل من اصحابه يقال له الديزج وكان يهوديا فأسلم، الى قبر الحسين، وامره بكرب قبره ومحوه واخراب كل ما حوله، فمضى لذلك وخرب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ الى قبره ( عليه السلام ) لم يتقدم اليه احد، فاحضر قوماً من اليهود فكربوه، واجرى الماء حوله ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر الا اخذوه ووجهوا به إليه ". ويقول وهو يصف حالة العلويين في زمن المتوكل: " واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي وكان لا يبلغه ان احداً ابرّ منهم ( من العلويين ) وان قل الا انهكه عقوبة، واثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعنه..". ومع كل ذلك كانت الدماء الحسينية تغلي في عروق الشرفاء والأحرار حتى يقيموا له المآتم، وينصبوا له مراسم العزاء والرثاء، وإن أشكال تلك المراسم والشعائر مهما اختلفت من زمن إلى آخر، إلاّ أنها كانت في ازدياد واطراد قرناً بعد قرن، وعاماً بعد عام. ولقد وقف أئمة الهدى صلوات الله عليهم بإصرار موقف المدافع عن إحياء عاشوراء، وتخليداً للقضية الحسينية، حتى أننا اليوم يندر أن نجد بلداً أو مدينة في كل هذا العالم من دون أن يكون فيه علم يخفق باسم الحسين ويخلد ذكراه. كذب الموت فالحسين مخلَّد كلما أُخلق الزمان تجدد ففي كامل الزيارات بسند معتبر عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال:قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ): يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين ( عليه السلام )، قلت: لا انا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم ان يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي . قال لي: أفما تذكر ما صنع به، قلت: نعم، قال: فتجزع، قلت: اي والله واستعبر لذلك حتى يرى أهلي اثر ذلك علي فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا آمنا، أما انك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت ارق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها. قال: ثم استعبر واستعبرت معه.

تنقل بين المقالات
المقالة السابقة الحياة بين بلاءٍ وابتلاءٍ لم لم ينقذ الله الإمام الحسين في كربلاء؟ المقالة السابقة
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
قائمة الموقع
عن الجمعية
جمعية الفضيلة © 2010-2011