تقرير عام | مؤتمر عاشوراء الثامن.. أفكار بناءة وطموح جاد في وحدة واقعية للأمة الإسلامية

التاريخ 2013/9/23 8:16:23 | القسم : أخبار محلية



السنابس - المجلس العلمائي

أطلق المجلس الإسلامي العلمائي في البحرين مساء الجمعة الماضي مؤتمر عاشوراء الثامن تحت عنوان "عاشوراء ووحدة الأمة"، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والمثقفين ورواد الخدمة الحسينية.

وانعقد المؤتمر، الذي أقيم في قاعة مأتم السنابس بتاريخ 14 ذو القعدة 1434 هـ الموافق 20 سبتمبر 2013م وسط حضور نخبوي حاشد، ضمن مرحلتين: تمثّلت المرحلة الأولى في الحلقات النقاشية (بقسميها: النسائي، والرجالي) التي عالجت ستة محاور، وهي: الممارسات العاشورائية وانعكاساتها على الوحدة الإسلامية، دراسة ونقد، ودراسة البرامج اللازمة لتعزيز (وثيقة الوحدة الإسلامية).. الخطاب الحسيني مثالا، وتقييم أداء الإعلام العاشورائي في مضمار الوحدة الإسلامية، وجوانب وحدوية من واقعة عاشوراء.. استقصاء وتحليل، وحضور القضية العاشورائية في فكر ووجدان الطوائف الإسلامية.. عرض وتحليل، والجوانب النفسية المؤثرة في وحدة طوائف الأمة.

ومثلت المرحلة الثانية جلسة المؤتمر الرئيسية التي عالجت ورقتي العمل فيها: مقوّمات الوحدة في رسالة عاشوراء، والإحياء العاشورائي والوحدة الإسلاميَّة، إذ قدمهما كل من الشيخ علي الصددي من البحرين والشيخ فوزي آل سيف من منطقة القطيف.

وافتتح المؤتمر بكلمة لنائب رئيس المجلس الإسلامي العلمائي الشيخ محمود العالي، تحدث فيها عن مبررات اختيار شعار المؤتمر لهذا العام، مشيرًا إلى أن عاشوراء نهضةٌ لأجل الأمَّة كل الأمة، وليست نهضة لطائفة أو فئة، وإنَّ عاشوراء الحسين (عليه السلام)- يمثِّل في الوعي الدِّيني عنوان النُّهوض بالأمَّة من سباتها، والانطلاق بها في آفاق الصلاح والإصلاح والعزَّة والكرامة، فهي الامتداد الطبيعي للمشروع القائم على التَّوحيد والوَحدة.

وأوضح نائب رئيس المجلس العلمائي أنه على أساس هذا الفهم الواعي والشامل للقضية الحسينية انطلق مؤتمر عاشوراء، وتحرَّك في ملامسة قضايا الأمة الأساسية التي مثَّلت الهمَّ والمنطلق للنهضة الحسينية. مبينًا أنه في هذا العام، وفي نسخته الثامنة، يقارب المؤتمر قضية مركزية تمثِّل واحدا من أهم الأهداف التي ثار من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) وهو حفظ كيان الأمة الواحدة التي أسسها جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي".

وكانت الكلمة الرئيسية في المؤتمر لسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، إذ أشار فيها إلى أن الجامع الوحدويّ الشامل المقيم هو ما كان محوره توحيد الله سبحانه وتعالى ودينُه الحق. معتبرًا أن جامعَ الدين الحق أقوى جامع، أشمل جامع، جامعٌ لا يأتي عليه الزمن، جامعٌ لا يمكن أن تقاومه العوامل الأخرى إذا كان هذا الجامع مُحتضنًا من القلوب، مُتعلّق إيمان الأمّة أو الإنسانية.

وقال آية الله قاسم في كلمته خلال المؤتمر: "نحنُ مأمورون بالوحدة لكن ليس على الإطلاق، وحدة ليست مُطلقة، وحدة قوامها الاعتصام بحبل الله {واعتصموا بحبل الله}، متى يُصبح الناس إخوانًا؟ أيّ وحدةٍ هي حقيقية وقادرة على خلق الأخوّة بين المتباعدين نسبا، بين المفترقين قوميّة، بين المتباينين جغرافيًا، بين ذوي المصالح الماديّة المختلفة؟ أيّ وحدة تلك هي القادرة على خلق الأخوّة والانسجام الحق؟ هي أخوّة تنطلق من الاعتصام بحبل الله "فأصبحتم بنعمته إخوانا".

وأضاف آية الله قاسم مخاطبًا عموم المسلمين أن "جامع القوميّة لا يجعلكم إخوانا، جامع المصلحة الماديّة لا يجعلكم إخوانا، الجامع الجغرافي العام لا يجعلكم إخوانا، تكونون إخوانًا بأخوّة صادقة تفوق أخوّة النسب، ويُضحّي من أجلها الداخلون فيها بأخوّة النسب، تلك الأخوّة المقاوِمة، المنتِجة، القادرة؛ تلك الأخوّة لا تصنعُها إلاّ الوحدة القائمة على أساس الدين الحق".

وتساءل سماحته: "الوحدة المطلوبة والمزعومة لعنوان "عاشوراء ووحدة الأمّة" من أين أُخِذت؟ ما هي مواصفاتها؟"، مجيبًا بأنها "في الحقيقة هي وحدة بأوسع إطار، إطارها قادر أن يضُم جميع أبناء الإنسانيّة، الوحدة التي يحتضن فكرتها عاشوراء ثورةً وعاشوراء إحياءً هي بهذا المستوى من الوحدة، هي وحدة ذات إطارٍ قادرٍ على جمع أبناء الإنسانيّة كلّها على هدفٍ واحدٍ، طريقٍ واحد، وأن يخلُق بينهم أمتن أخوّة وأسمى أخوّة، هي أخوّة الإيمان".

كما ذكر سماحته أن وحدة الأمة من منطلق عاشوراء "هي وحدةٌ كفيلة بسعادة الإنسانيّة والنهوض بمستواها إلى أعلى درجةٍ يمكن للإنسان أن يصل إليها، نزيهةٌ كلّ النزاهة عن الاستغفال والاستغلال"، محذرا من ان هناك "وحدة جغرافية، هناك وحدة قوميّة، هناك تحالفات، هناك توحّد ظاهري داخله مؤامرات، كيد، استغلال، استغفال، وحدة من أجل الاستغفال، من أجل الاستغلال، من أجل الاستعباد، أمّا هذه الوحدة فهي وحدةٌ براءٌ من كلّ العيوب، من كلّ تدليس، من كلّ خداعٍ، من كلّ غِش، وليست وحدة عصابات إجراميّة، ولا ناهبي شعوب، ولا مفسدين في الأرض".

وختم آية الله قاسم كلمته بالقول: "لا يجوع أحدٌ بيننا نستطيع سدّ جوعته، ولا يشقى مريضٌ بمرض نستطيع علاجه والتخفيف من مرضه، ولا نترك مسلمًا بلا منزلٍ نستطيع أن نُنقذهُ من محنته، ولا ندع مظلومًا يُعاني من ظلامته ونحن على قدرةٍ لرفع هذه الظلامة، لا نترك لجاهلٍ يبقى على جهله، لضالٍّ يبقى على ضلالته، لواقعٍ في شبهة تأخذ من إيمانه شبهته ونحن نستطيع تخليصه من جهله وضلاله وشُبهته. بهذا نكون قد أحيينا عاشوراء بأسلوبٍ من أساليبه الراقية، بأسلوبٍ من أساليبه المتعانقة جدًا مع أخلاقيّته وهدفه الكريم".

كما شهد المؤتمر عدة مداخلات، الأولى كانت للعلامة السيد عبدالله الغريفي، جاءت تعقيبًا على كلمة آية الله قاسم وتثمينًا لمضامينها الواقعية، مقترِحًا فيها تشكيل لجنة دائمة لمتابعة تنفيذ توصيات مؤتمر عاشوراء ليكون مؤتمرًا منتِجًا.

وعرضت في المؤتمر كذلك مداخلتان مسجلتان لشخصيتين من خارج البحرين، الأولى كانت لفضيلة الشيخ ماهر حمود من الجمهورية اللبنانية، والثانية للباحث والمفكر الجزائري غريبي مراد.

وخلال المؤتمر أعلن أيضًا بيان شعار العام 1435هـجرية الذي دأب المجلس العلمائي على إطلاقه سنويًا من أجل توحيد الجهود المجتمعية، إذ ذكر مسؤول مركز الشيخ المفيد للمعارف الإسلامية عضو المجلس الشيخ رضي القفاص أن شعار العام المقبل سيكون بعنوان "التَّلاحم والتَّضامن الاجتماعي.. وظيفةٌ دينيَّةٌ وضرورةٌ مجتمعيَّة"، وجاء في البيان أن "أيَّ مجتمع - مسلمًا كان أم غير مسلم -، فإنَّه لا يكون مجتمعًا بشريًّا سويًّا، ولا ذا مسحةٍ إنسانيَّةٍ ما لم يتضامن بعضُه مع بعض في آلامهم وآمالهم، وما لم يتلاحم، ويتعايش، ويتسامح فيما بينَه؛ لتحقيق المصالح العامَّة له ككيان واحد تتشابك فيه حاجات الحياة، والمعيشة، والعلاقات، والسِّياسة، والمصير، والحاضر، والمستقبل".

وقال الشيخ القفاص إن "الحاجة تشتدُّ إلى "التَّلاحم والتَّضامن الاجتماعيِّ" في زمن الإرهاصات السِّياسيَّة، وتداعياتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والنَّفسيَّة، ممَّا يعزِّز الحاجة إلى تحقيق مزيد من التَّقارب والتَّلاحم والانسجام.

وبيّن القفاص أن شعار المجلس الإسلاميُّ العلمائيُّ للعام 1435هـ؛ جاء لشَحْذ همم الجميع من مؤسَّسات، ومراكز إسلاميَّة، واجتماعيَّة ودينيَّة وتعليميَّة وإعلاميَّة، وبتضافر جهود الشَّخصيَّات والنُّخب، وجميع أفراد المجتمع، وفي مقدِّمتهم العلماء والخطباء والمفكرين؛ للتلاحم والتضامن في سبيل تحقيق عدة أهداف منها: تنمية الوعي العام بأهمية التَّلاحم والتَّضامن الاجتماعيَيْن، والتَّنبيه إلى مخاطر المواقف السَّلبية تجاه الآخرين ومعاناتهم، والدَّفع باتِّجاه تحريك مشاريع الرِّعاية الاجتماعيَّة، والتَّأكيد على أهمية رصِّ الصُّفوف، وعدم السَّماح بأيَّة انقسامات تهدِّد الواقع الاجتماعيَّ، وتنمية الوعي بآليَّة التَّعاطي مع الاختلافات الفكريَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة، والدَّعوة إلى تفعيل برامج التَّواصل الاجتماعيِّ المثمر، وإبراز تاريخ البحرين المشرق في هذا المجال، وإبراز دور المؤسَّسات الفاعلة في المجال الأسريِّ والاجتماعيِّ.

كما شهد المؤتمر ضمن فعالياته عرض تقريرين ممنتَجين، الأول للحلقات النقاشية التي عقدت قبل المؤتمر، والثاني بعنوان "مؤتمر عاشوراء بعد 7 سنوات.. التوصيات والإنجاز".

وفي ختام المؤتمر ألقى مدير المؤتمر الشيخ جاسم المؤمن البيان الختامي، الذي عرض فيه أهم التوصيات التي خلص إليها المؤتمر، ومنها دعوة الخطباء إلى تجنب لغة الشحن تجاه المذاهب الأخرى في موسم عاشوراء وغيره من المواسم والمناسبات، وتبديلها إلى لغة الحوار العلميِّ الرصين، وضرورة التركيز على رموز الطَّائفة الذين خدموا الإسلام خدمة جليلة بتوجهاتهم الوحدوية والتقريبية.

كما أوصى المؤتمر بعمل لقاءات نسوية مشتركة بين مختلف الطوائف، والعمل على تحريك دورات وورش عمل لـ "القارئات"، وإداريَّات المآتم الحسينية لتعزيز الطرح الوحدوي والعمل على تنظيم دورات وورش خاصة بالخطباء والشعراء قُبيل موسم عاشوراء؛ لتناول سبل تعزيز الوحدة.

وفيما يتعلق بالجانب النفسي أوصى المؤتمر بضرورة دراسة العوامل النفسية لإيجاد سبل التواصل مع أبناء الطوائف الإسلامية، والعمل على ترشيد الشعارات العاشورائية من خلال صياغة العبارات الخاصة باللافتات الحسينية بصورة مدروسة، وضرورة السعي في ابتكار وتحريك البرامج اللازمة لتعزيز (وثيقة الوحدة الإسلامية) التي أطلقها المجلس الإسلامي العلمائي، وكذلك دعوة الشخصيات والمفكرين من الأديان والمذاهب الأخرى من داخل وخارج البلد للمشاركة في المواسم العاشورائية والمهرجانات الثقافية الحسينية.

واقترح المشاركون في الحلقات النقاشية ضمن توصياتهم بأن يكون هناك ميثاق شرف يقدم للخطباء، وآخر للرواديد والشعراء، يساهم في تقديم خطاب معتدل لتعزيز الوحدة الإسلامية. كما أوصوا بعقد ملتقى يجمع مختلف القنوات الفضائية من أجل الخروج بميثاق شرف يتبنى خطابا يخدم مصلحة النهضة الحسينية ومبادئها، ويكرس الوحدة بين المسلمين، وتفعيل دور "مجلس الخطباء" في عقد ملتقيات وجلسات حوار للخطباء لدراسة ما يتطلبه خطاب المنبر الحسيني من طرح يصب في تقديم المشروع الحسيني في إطار وحدة الأمة.

وكان من بين التوصيات التي خرج بها مؤتمر عاشوراء الثامن دعوة "الرابطة الحسينية" لإقامة لقاء يشمل جميع الشعراء والرواديد للاتفاق على مبادئ الطرح العزائي في الموكب والإصدارات بما يتناسب والوحدة الإسلامية، وأن ينسق "المجلس الإسلامي العلمائي" لاجتماع يضم مسئولي الحسينيات واللجان الإعلامية والثقافية فيها بهدف الاتفاق على معايير الطرح في المنبر واللافتات والمضائف والإصدارات وجميع أنشطة المأتم بما يساهم في ترسيخ الوحدة.

وجاء ضمن التوصيات مطالبة المجلس الإسلامي العلمائي أن يتبنى إطلاق حملات إعلامية واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ لمحاربة الطرح الطائفي وتأصيل معاني الوحدة بين الأمة، وأن يتم رصد ميزانية خاصة لإصدار عمل فني احترافي يحمل رؤى المجلس وشعاره حول الوحدة، وإنتاج المزيد من البحوث العلمية في مجال السيرة الحسينية لإبراز جوانبها الوحدوية وقيمتها الإنسانية العليا. وعمل بحوث أخرى في القضايا التاريخية المفصلية لتتضح الرؤية عند الطرف الآخر، وترفع جهات الالتباس التي تُستغل لخلق الفتنة بين المسلمين وضرب وحدة الأمة، وكذلك تحريك إصدارات توعوية عبر المطويَّات والكتيِّبات، والأعمال الفنِّية المختلفة كالمسرح؛ لتسليط الضوء على الشخصيات، والمواقف الوحدوية، في واقعة الطفِّ بأسلوب أدبيٍّ جذَّاب.

وأخيرًا ورد من بين توصيات المؤتمر إنتاج أبحاث ودراسات تدعو للوحدة بين المسلمين انطلاقا من نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)، وتحريك برامج وحدوية باسم الحسين (عليه السلام) ذات نفع اجتماعي عام، كالتبرُّع بالدم بالاشتراك مع مختلف الطوائف الدينية.

يشار إلى أن المجلس العلمائي في البحرين قام بعدة أنشطة وحدوية في ظل التوتر الطائفي الإقليمي، بغية تخفيف حدة هذا التوتر الذي يستفيد منه أعداء الإسلام بالدرجة الأولى، إذ أطلق قبل أشهر قليلة وثيقة الوحدة الإسلامية التي احتوت على بنود مهمة في إطار لم الشمل وتوحيد الصف الإسلامي، وهو ما لاقى صدى واسعًا وإشادة من قبل عدد من العلماء المسلمين من شتى الطوائف الإسلامية.

موقع العلمائي | الاثنين 23 سبتمبر 2013م





هذا الخبر من موقع
http://www.alfadheelah.org

عنوان هذا الخبر هو :
http://www.alfadheelah.org/modules/news/article.php?storyid=1733